الجمعة 24 جماد ثاني 1435
((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الرضا (عليه السلام) إن الإمامةَ أسُّ الإسلامِ النامي وفرعُهُ السامي  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الباقر (عليه السلام ) حُبُّنا أهل البيتِ نظامُ الدِّين   ((رسالة النجف الاشرف))قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الإمامة نِظامُ الأمة   ((رسالة النجف الاشرف))قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الإمامة نِظامُ الأمة   ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الباقر (عليه السلام ) حُبُّنا أهل البيتِ نظامُ الدِّين   ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الرضا (عليه السلام) إن الإمامةَ أسُّ الإسلامِ النامي وفرعُهُ السامي  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم): أفضل الاعمال العلم بالله . إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي(عليه السلام): ما يسرني لومت طفلا وأدخلت الجنة ولم أكبر فأعرف ربي عزّ وجل.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): أعلم النّاس بالله أكثرهم له مسألة.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): ينبغي لمن عرف الله سبحانه أن لا يخلو قلبُهُ من رجاءه وخوفه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم): إن الله خلق يوم خلق السموات والارض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والارض. فجعل منها في الارض رحمة. فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض وأخر تسعا وتسعين فإذا كان يوم القيامة أكملها به  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم(صلى الله عليه واله وسلم): من اطاع الله عزّ وجلّ فقد ذكر الله وإن قلت صلاتُهُ وصيامُهُ وتلاوتُهُ للقرآن  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): الذكر يؤنس اللب ويستزِلُ الرحمة  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): أُذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طُرُق النّجاة  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام السجاد (عليه السلام): إن قسوة البطنة وفترة الميلة وسُكر الشبع وعزّة المُلك مما يثبّط ويُبطيءُ عن العمل وينسي الذّكر  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام الصادق (عليه السلام): أوحى الله عزّ وجل الى موسى (عليه السلام)، لا تنسني على كل حال،ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يُقسي القلوب، ومع كثرة المال كثرةُ الذنوب  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام) طوبى لمن أخلص لله عملهُ وحبهُ وبغضهُ، وأخذهُ وتركهُ، وكلامه وصمتهُ، وفعلهُ وقوله.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام) من أصلح فيما بينهُ وبين الله أصلح اللهُ فيما بينهُ وبين الناس.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي(عليه السلام) إن العبد إذا اراد أن يقرأ، أو يعمل عملاً فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يباركُ له فيه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) ليس من عبد يظنُ بالله خيراً إلا كان عند ظنه به.  ((رسالة النجف الاشرف))عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: من صام يوماً من رجب تباعدت عنه النار مسير سنة ومن صام ثلاثة أيام وجبت له الجنة  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) من أُذِلَ عنده مؤمِن وهو يقدرُ على أن ينصرهُ أذلهُ الله يوم القيامةِ على رؤوسِ الأشهاد   ((رسالة النجف الاشرف))وقال الصادق (عليه السلام) الغيبةُ حرام على كل مُسلِم ، وإنها لتأكل الحسناتَ كما تأكُل النارُ الحطب  ((رسالة النجف الاشرف))قال أبو عبد الله (عليه السلام) من روى على مؤمِن روايةً يريدُ بها شينه وهدِم مروّته ليسقُطَ في أعينِ الناس أخرجهُ الله من ولايتهِ إلى ولاية الشيطان فلا يقبلهُ الشيطان   ((رسالة النجف الاشرف))قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) إياكُم والغيبةَ فإن الغيبةَ اشدُ من الزِنا ، فإن الرجلَ قد يزني فيتوبُ فيتوبَ اللهُ عليهِ ، وإن صاحِبَ الغيبةَ لا يُغفر لهُ حتى يغفرَ لهُ صاحِبهُ   ((رسالة النجف الاشرف))قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تحاسدّوا ، ولا تباغضوا ، ولا يغتب بعضُكّم بَعضا ، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانا  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه والغيبة تناول العرض  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه  ((رسالة النجف الاشرف))سؤل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أفضل الأعمال يوم الجمعة فقال : لا اعلم عملا أفضل من الصلاة على محمد وال محمد ز  ((رسالة النجف الاشرف))روي عن النبي (صلى الله عليه واله ) انه قال : من قال اللهم صل على محمد وال محمد أعطاه الله اجر اثنين وسبعين شهيدا وخرج من ذنوبه كيوم ولدته امه .  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله (صلى الله عليه واله ) رأيت رجلا في المنام من أمتي على الصراط يرجف أحيانا ويحبوا أحيانا فجاءته صلاته علي وأقامته على قدميه حتى مضى على الصراط .  ((رسالة النجف الاشرف))روي عن الإمام الصادق (عليه السلام ) عن آبائه عن النبي ( صلى الله عليه واله ) قال : ارفعوا أصواتكم بالصلاة علي فإنها تذهب بالنفاق .  ((رسالة النجف الاشرف))عن كتاب جامع الأخبار عن رسول الله (صلى الله عليه واله ) انه قال : من صلى علي مرة فتح الله عليه بابا من العافية . 
الزيارة بالانابة

لتسجيل اسمك بالزيارة نيابة

ادخل هنا

حالة الطقس في
النجف
 °
المتواجدون الان

عدد الزوار الحالى 11
عدد الزوار اليوم 4095
عدد الزوار الكلى 3115582
عدد الزوار الشهر الماضى 103808
عدد الزوار العام الماضى 872592

معرفة النفس
الإثنين 12 ذو الحجة 1430
حسن موسى الصفار







معرفة النفس

















المقدمة

جهود طائلة وإمكانات هائلة يصرفها الإنسان من أجل الاهتمام بجسمه وبحياته المادية ، حتى أصبح كل جانب من جوانب الحياة المادية عالماً قائماً بذاته . . ففي مجال الغذاء والطعام هناك الزراعة وتربية المواشي وأسماك البحر ، ومصانع الأطعمة والأغذية بمختلف ألوانها وأشكالها . . وفي مجال الصحة والطب : هناك الجامعات والمستشفيات ومصانع الأدوية والبحوث والاكتشافات . . وفي مجال الألبسة والأزياء وشؤون المنزل وقضايا الأناقة والجمال هناك آفاق واسعة واهتمام كبير . .
وعلى صعيد الاهتمام بالجانب العقلي من شخصية الإنسان ، تتقدم البشرية بخطى حثيثة لاكتشاف مجاهيل العلم والكون فكل فرع من فروع المعرفة له تخصصه ومؤسساته ، وهناك المدارس والجامعات ومراكز البحوث والدراسات ، والمؤتمرات ودوائر المعارف والمجلات والمطبوعات . . ولا تزال مسيرة الاختراعات والاكتشافات العلمية متواصلة متتابعة . . أما الجانب الروحي النفسي فهو البعد المهمل والمتروك من شخصية الإنسان ، حيث لا يستأثر إلا باهتمام ضعيف بسيط وحتى مجال دراسات علم النفس فإنها غالباً ما تنحو الاتجاه المادي ، وتتجاهل العمق الروحي المعنوي .
ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن الرسالات والشرائع الدينية الإلهية إنما جاءت للاهتمام بهذا المجال الأساسي قبل غيره لأولويته على المجالين الآخرين ، ولعلم الله تعالى بضعف البشر وتساهلهم فيه ، فحينما يتحدث القرآن الكريم عن أهداف بعثة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه يضع هدف التزكية النفسية في المقام الأول يقول تعالى :  هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة  .
ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعتبر أن دوره الأساسي ومهمته الرئيسية هي إنضاج وإكمال المستوى الروحي النفسي الذي تنبثق عنه أخلاق الإنسان وسلوكياته يقول ( صلى الله عليه وآله ) في الحديث المتواتر المشهور : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .
لذلك فإن الثروة المعنوية والكنوز الروحية في الإسلام عظيمة وهائلة وإنسان هذا العصر الذي طغت فيه المادة ، وسادت أجواءه الشهوات والأهواء ، هذا الإنسان يعاني الآن فراغاً روحياً ، وإهمالاً خطيراً في التوجه إلى خبايا أعماق نفسه ، واكتشاف زواياها وجوانبها .
وما آلام البشر ومآسيهم المحزنة في هذا العصر والتي تتجلى في الحروب المدمرة ، والاعتداءات الظالمة ، والتمييز العنصري ، والفقر والجوع المميت ، والجرائم البشعة المنتشرة ، والفساد الأخلاقي الفتاك ، وانتهاك حقوق الإنسان ، كل ذلك ما هو إلا نتيجة طبيعية للفراغ الروحي والانحرافات النفسية .
إن البشرية اليوم ، وأكثر من أي وقت مضى في حاجة ماسة لثروات الإسلام الروحية وكنوزه المعنوية . . وهنا يأتي دور المسلمين في اكتشاف تلك الكنوز وكشفها للعالم . . غير أن المؤسف في الأمر ما يعانيه أكثر المسلمين من بعد وابتعاد عن قيم دينهم وتعاليم شريعتهم حتى كادوا أن يساووا غيرهم في الجهل بمعالم الدين والتنكر لأحكامه مع تفوق الآخرين عليهم بالتقدم المادي .
ومع اليقظة الدينية الجديدة والصحوة الإسلامية المباركة التي يهب نسيمها على المسلمين الآن ، كان لا بد من التوجه والاهتمام بالبعد الروحي الأخلاقي في الثقافة الإسلامية . . وهذه السطور المتواضعة بين يديك – أيها القارئ العزيز – هي محاولة بسيطة للمشاركة في الاهتمام بهذا الجانب الخطير . . وكانت في الأساس مجموعة من الأحاديث والمحاضرات ألقيتها في فترات مختلفة ، وقد نالت تسجيلاتها رواجاً وإقبالاً يكشف عن تلهف الجمهور لهذا النوع من الأحاديث ، مما شجع بعض الاخوة المؤمنين على كتابتها وتقديمها للطبع والنشر بعد شيء من التصحيح والتهذيب . . وإذ أقدمها اليوم مع تعديلات مواضيعها ، وأضرع إلى الباري سبحانه أن يجعلني من المتعظين بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ، وأن ينفع بها المؤمنين وله الشكر والحمد على نعمه وتوفيقه .

المؤلف
1 / شعبان / 1411هـ


 الفصل الأول











النفس منطقة الخطر















قال الله العظيم في كتابه الحكيم : ) ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها (
صدق الله العلي العظيم
لشخصية الإنسان في هذه الحياة ثلاثة أبعاد ومن مجموع التفاعل بين هذه الأبعاد الثلاثة تتكون شخصية الإنسان :
البعد الأول : العقل .
البعد الثاني : النفس .
البعد الثالث : الجسد .
أما الروح فهي وعاء يشمل هذه الأبعاد جميعاً ولعلنا بحاجة إلى تحديد ما نقصد من هذه المصطلحات فماذا نقصد بالروح ؟ وماذا نقصد بالعقل ؟ وماذا نعني بالنفس ؟
أما الجسد فأمره واضح ولا يحتاج إلى شرح وتحديد ، ذلك لأن هذه المصطلحات كثيراً ما تدور حولها معارك ضارية بين الفلاسفة والعلماء والمتكلمين لتحديد المقصود من كل مصطلح .
معنى الـروح :
إننا نقصد بالروح هنا تلك القوة التي تبعث الحياة في الإنسان وتنبع منها الحياة والتي بمفارقتها للجسم تنتهي حياة الإنسان في هذه الدار الدنيا .
هذا ما نقصده بالروح ولذلك قلنا إنها وعاء يشمل العقل والنفس والجسد لأنه من دون الروح التي تعطي الحياة أي عقل يكون ؟! أو أية نفس تمارس دورها ؟! وأي جسد يتحرك ؟! وإذا انتهت إقامة الروح في جسد الإنسان في هذه الدنيا انتهى وجوده منها أيضاً وانتقل إلى عالم آخر .
ما هـو العقـل ؟
نقصد به ذلك " النور الذي يميز الإنسان به بين الحق والباطل " بين الشر والخير بين الممكن والمستحيل وبعبارة أخرى هو قوة الإدراك والتمييز والمعرفة فبالعقل يدرك الإنسان ويميز ويقيم الأشياء .
تعريف النـفس :
أما النفس فهناك اختلاف كبير عند الفلاسفة في تحديد المقصود منها حتى أن بعضهم أنهى تعريفات النفس إلى أربعين تعريفاً حتى قال الشاعر
قد حار في النفس جميـع الورى
والفـكر فيها قـد غـدا ضـائعـا
وبـرهن الكـل عـلى ما أدعو
ولـيس بـرهـانهم قـاطـعـا
من جهـل الصنعـة عجـزاً فـما
اجـدره ان يجهـل الصـانـعـا
ولكننا نقصد بالنفس هنا هي مركز العواطف والميول والشهوات لدى الإنسان يطلق عليها القرآن تارة عنوان ( النفس ) ويطلق عليها تارة أخرى اسم ( القلب ) .
بين النفس والعقل :
بالعقل تدرك الأشياء فتعرف أن هذا الأمر ممكن وذاك مستحيل وأن واحد زائد واحد يساوي اثنين واثنين في اثنين يساوي أربعة ، العقل هو الوحيد القادر على إدراك هذه الأشياء فالعلم يكون بالعقل والمعرفة تكون بالعقل والتقييم والحكم على الأشياء يكون بواسطة العقل
أما النفس ففيها عواطف الإنسان مثل الحب والبغض فالحب وحب الذات والأنانية والخوف وجميع العواطف والمشاعر والأحاسيس تنبع من النفس إذن فهناك فرق واضح بين العقل والنفس .
والنفس بهذا المعنى تعتبر أخطر منطقة في شخصية الإنسان . فهي مصدر سعادته أو شقائه وكما يقول الله عز وجل : ) ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ( النفس التي هي مركز الميول والعواطف والرغبات بإمكانها أن توجه الإنسان نحو السعادة وبإمكانها أن تنحرف بالإنسان وتِنزلق به في هاوية الشقاء والفساد والانحراف .
أين دور العقـل ؟
العقل ليس له دور حاكم مثل النفس لماذا ؟
لأن العقل يدرك الأشياء ويقيمها ، يدرك مثلاً أن العمل والنشاط جيد وأن الكسل سيئ ويدرك أن العدل حسن والظلم قبيح . . فدور العقل في حياة الإنسان هو دور الإدراك والتقييم ولكن النفس تتخذ الموقف وهي التي تبادر وتمتلك زمام الموقف فبيدها أن تصدق وتعمل بما يقوله العقل أو تنحرف وتزيغ عما يقوله . لذلك فإن القرآن الحكيم يشير إلى هذه الناحية فيقول : ) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ( 1 فمن الناحية العقلية أصدر العقل حكمه وقال لهم أن هذه الحقائق صحيحة وثابتة وواجبة ولكنهم جحدوا بها مع تيقن أنفسهم بصحتها لماذا ؟
لأن أهواءهم النفسية وعواطفهم الشهوانية لم تسمح لهم بأن يطبقوا كلام العقل وفي آية أخرى يقول القرآن الحكيم : ) وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ( 2 انظروا وتدبروا إنهم يعلمون فعقولهم قررت أن هذا الشيء حق ، العقل أدرك صواب وأحقية هذا الأمر وقال للإنسان : يا إنسان هذا حق ولكن الهوى والشهوات والعواطف هي التي تجعل الإنسان ينحرف عما يقرره العقل ويكتم الحق ويتستر عليه .
وهناك أمثلة وأحاديث كثيرة تدل على أن العقل قد يصبح آلة بيد النفس تقوده وتأمره ، العقل هذه القوة العظيمة تصبح أداة بيد النفس وكزورق تتقاذفه رياح الشهوات وأهواء النفس يميناً ويساراً فتستخدمه فيما تريد .
كيف يؤسـر العقل ؟
في البداية العقل يعطي رأيه يقول لك : الصيام ممتاز ومن الجيد أن تصوم هذا ما يقوله لك العقل ولكن النفس قد لا تسمح بالصيام والعواطف والأهواء والشهوات أمور تجنح بك نحو الإفطار وحينما تريد أن تفطر تحتاج للتفكير في أفضل وسيلة للإفطار وأحسن طعام تتناوله وكيف تستطيع أن تحصل على الطعام هنا لا بد أن تستخدم عقلك .
عقلك قال لك : لا تفطر وصم ولكن نفسك قررت الإفطار وعندما قررت ذلك استخدمت العقل ، العقل يقول لك : طيب أنت تريد أن تفطر وأنا لست موافقاً على إفطارك أنا أقول لك صم أفضل فتجيبه النفس وهي تنهره بعنف وحدة : وما شأنك ؟ أنت أبديت رأيك وانتهى دورك وليس لك شأن في هذا والمطلوب أن تبتكر طريقه لتحصيل الطعام وأن تبتدع وسيلة لتحصيل الشهوة .
فيقف العقل عند حدوده ويجيب : حاضر بالخدمة فيطيع النفس ويدلها على الوسائل والأساليب وكمثال آخر ، العقل يقول : السرقة ليست جيدة ، النفس تعترضه فتقرر السرقة ولكن السرقة تحتاج إلى خطة فمن الذي يضع الخطة ؟ إنه العقل .
فتقول النفس للعقل : أنا صممت على السرقة وعليك الآن أن تضع خطة للسرقة ، والعقل يحتج بعدم موافقته وأن السرقة شيء غير جيد فتنهره النفس : دعك من هذا انتهى دورك وأنا الآن قررت السرقة ويجب عليك أن تضع خطة للسرقة فيطيعها العقل ويصبح آلة في خدمة أهواء النفس وللإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كلمات جميلة ورائعة تعبر عن هذه الحقيقة الإمام يقول: ( كم من عقل أسير تحت هوى أمير )1 العقل أسير ولكن عند من ؟
عند الهوى المتآمر في حياة الإنسان فيأسر العقل ويصبح أسيراً تحت سيطرته ويقول ( عليه السلام ) : ( أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع ) 2
وفي كلمة أخرى يشير الإمام علي ( عليه السلام ) إلى أن العقل إنما يمارس دوره القيادي الصحيح في حياة الإنسان إذا لم تقيده الأهواء ورغبات الدنيا حيث يقول : ( شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا ) 1
كما يتحدث الإمام ( عليه السلام ) عن حدوث حالة اختراق الشهوات لعقل الإنسان فيقول : ( قد خرقت الشهوات عقله ) 2
وعنه ( عليه السلام ) : ( ذهاب العقل بين الهوى والشهوة ) 3
ويقول أيضاً : ( عدو العقل الهـوى ) 4
إذن النفس لها قدرة التحكم بالعقل وأن تستخدم العقل ومن هنا تبرز أهمية النفس ويكمن الخطر ومن هنا نجد القرآن الحكيم يعلق سعادة الإنسان وفلاحه ونجاحه على مدى سلامة نفسه يقول تعالى : ) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ( 5 إذن فالمسألة مسألة النفس ، من يزكي نفسه فقد فاز فوزاً عظيماً فيجب أن نولي قضية صحة النفس وسلامة النفس أهمية كبرى .
ثغرة المنطق الإغريقي :
قالوا في تعريف عمل المنطق بأنه ( آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ) 6 وقالوا عن تحديد وظيفته وغايته بأنها تجنب الخطأ وتصحيح الأفكار . ( إذن فحاجتنا إلى المنطق هي تصحيح أفكارنا ) ويرى ابن حزم الأندلسي : أن علم المنطق ( يقف على الحقائق كلها ويميزها من الأباطيل تمييزاً لا يبقى معه ريب ) 7
ولكن المنطق الإغريقي المتداول والذي رتب مسائله وفصوله الفيلسوف ارسطو ( 322-384 ق . م ) هل يؤدي هذا الدور ويقوم بهذه الوظيفة ؟
كلا فهو قد اقتصر على الاهتمام بشكل التفكير وصوره لذلك عرف بالمنطق الشكلي والصوري ، ولم يتعداها للبحث عن الخلفيات والتأثيرات النفسية على فكر الإنسان . .
يقول العلامة المدرسي : ( يقيم هذا المنطق بأنه نظم مسيرة الفكر الإنساني في قبال التطرف والفوضى والسفسطة . ولكنه من جهة أخرى قيد هذا الفكر بتركيزه على الجانب الصوري منه أي أنه لم يحاول البحث عن مصدر الأفكار بمقدار ما كرس بحوثه حول علاقة الأفكار ببعضها وكان مثله مثل من يبذل جهده في جمع الأعداد وتفريقها دون أن يفكر فيما وراء هذه الأعداد من حقائق تدل عليها . فمنطق ارسطو الشكلي باهتمامه بشكل التفكير وإغفاله البحث عن مادة التفكير وموضوعه سبب تناسي دور السلبيات البشرية التي تدعو إلى الضلالة كما تناسى دور العقل في تحدي هذه السلبيات ولذلك لم يوفق هذا المنطق لإعطاء الإنسان مزيداً من التقدم الفكري ) 1
( ويتصور الرأي السائد في المنطق أن مشكلة الإنسان في العلم ، هي مشكلة عقلية محضة ، يمكن حلها بوضع قواعد لتنظيم عملية التفكير . إلا أن الحقيقة : أن المشكلة هي مشكلة نفسية ، قبل أن تكون عقلية ، ولذلك فنحن بحاجة إلى معالجة النفس البشرية ، قبل أن نضع قواعد لعقله ، وتنظيم فكره ذلك لأن النفس البشرية قد تستأثر بإرادة الإنسان ، وتوجهها إلى حيث تتحرك أهواؤها ، وهنالك تبقى قدرة الإنسان على التفكير معطلة رأساً ، ولا تغنيه القواعد الموضوعة لتنظيم فكره ) 2
الاهتمام بالنفس :
البعض قد يصرفون اهتماماتهم ويولون عنايتهم لعقولهم فيزودون عقولهم بالمعلومات والأفكار فيخدمون عقولهم كثيراً وبعض الناس يخدمون أجسامهم كثيراً فيقدمون الطعام والشراب واللذات والراحة لأجسامهم ولكن كثيراً من الناس يتساهلون مع أنفسهم مع إنه لا قيمة للعقل ولا قيمة للجسد إن لم تكن النفس سليمة فإذا كانت النفس مريضة فإنها تستخدم العقل استخداما سيئاً يؤدي بالجسد إلى الهلكة ولو راجعنا التاريخ ونظرنا إلى الواقع المعاصر لوجدنا أن أشخاصاً لديهم القدرة الكبيرة في الجانب العلمي والعقلي وعقولهم كبيرة والمعلومات التي تختزنها وتمتلكها عقولهم واسعة جداً ولكنهم في أسفل درك من الشقاء والانحطاط وأبرز مثال على ذلك هو ( إبليس ) فهل كان انحطاطه وشقاؤه لقلة علمه ؟
كـلا . .
إبليس مشكلته لم تأت لقلة معلوماته وبالعكس فهو في هذا الجانب كان متفوقاً وكان عالماً كبيراً يعلم أشياء لا نعلمها نحن ولم نطلع عليها ولكن من أين أدين ؟ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين مقتله كان التكبر ، والتكبر حالة نفسية وليست عقلية لذلك لم يستطع أن يستفيد من علمه وعقله وكثير من الذين انحرفوا وكثير من الذين شقوا ، المشكلة التي كانت عندهم ليست مشكلة قلة العلم والمعرفة وإنما هي مرض النفس .
وسلام عليك يا أبا الحسن حين قلت : ( ومن لم يهذب نفسه لم ينتفع بعقله )
وفي كلمة أخرى يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( من جانب هواه صح عقله ) 1
ويشير الإمام علي ( عليه السلام ) إلى تأثير الأمراض النفسية على العقل وأدائه لدوره القيادي في حياة الإنسان فيقول : ( وأعلموا أن الأمل يسهي العقل ) 2 ( وعجب المرء بنفسه أحد حساد عقله ) 3
من هنا يجب أن نولي جانب النفس أهمية قصوى فالنفس إذا كانت مصابة بالأمراض كالتكبر والغرور والخوف والجبن والكسل والأنانية والحقد وما أشبه ، فكل شيء لا يفيد قال الله تعالى : ) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ( 4 أي إنه حتى الإيمان لا يوفقون له فالذين لم يؤمنوا بالأنبياء والرسل هل كانت عقولهم مريضة وعاجزة عن المعرفة ؟
كلا ، بل كانت المشكلة تكمن في نفوسهم حيث مرض التكبر وسيطرة الأهواء .
مسئوليتنا تجـاه النفس :
إننا قد نصرف أوقاتاً طويلة على تقديم العلم والمعرفة لعقولنا ، وقد نصرف وقتاً طويلاً على تقديم الراحة واللذة لأجسامنا ولكن كم نصرف لحماية أنفسنا ؟ ولوقاية أنفسنا من الأمراض النفسية ؟
الذين يدرسون في الجامعات الغربية والشرقية في المجالات التي يتوجهون إليها ، عقولهم ضخمة ، إن الإنسان ليشعر بالضعة والحقارة أمام تلك العقول الجبارة التي تصمم هذه الآلات والتي تبتكر هذه الوسائل والآليات الإلكترونية الحديثة ، انظروا إلى ما ينتجه الغرب من آلات ووسائل ومن تقدم علمي ، هذا عمل عقلي ضخم جداً ولكن إلى جانب ذلك تترعرع الأمراض والسلبيات والأخطاء في تلك النفوس فتجعل تلك العقول وتلك الأجساد حطباً للشقاء في الدنيا وفي الآخرة حطباً لجهنم .
التصور الخاطئ :
في بعض الأوقات يخطئ الإنسان فيتصور أن الوقت الذي يصرفه على سلامة نفسه وقت ضائع مثلاً : إنك حينما تذهب إلى المقبرة تصرف وقتاً في الذهاب والرجوع والبقاء في المقبرة ، هذا الوقت قد تتصور إنك لو صرفته في سبيل نشاط عقلي حيث تطالع كتاباً ، أو تفكر في موضوع تفيد به عقلك لكان أفضل ولكن هل المطلوب مني فقط إفادة عقلي ؟ هل المطلوب مني فقط توفير المعلومات والخدمات للعقل ؟ ونفسي أين هي وكيف صحتها ووضعها ؟
يجب أن أصرف وقتاً من أجل تزكية نفسي وهذا هو سر العبادات الإسلامية وسر التوجيه إليها إنك تصرف وقتاً على الصلاة والدعاء وعلى زيارة القبور ولمحاسبة النفس تطبيقاً للرواية الشريفة عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل خيراً استزاد الله منه وحمد الله عليه وإن عمل شراً استغفر الله منه وتاب إليه ) 1
إذا لم يكن هناك توازن بين تقدم علم الإنسان وتوسع محيط إدراكه وعقله مع سلامة نفسه فهناك خطر كبير على مستقبل الإنسان فيجب أن نهتم بسلامة أنفسنا وليكن من برامجنا فترة للعناية بأنفسنا .
أنت تنام لمصلحة جسدك قدراً معيناً من الساعات ، وأنت تدرس وتتعلم وتقرأ لصالح عقلك كذا ساعة ، فكم من الوقت تصرف من أجل نفسك ؟ من أجل التفتيش والتنقيب عن الرواسب والأوساخ التي تترامى في زوايا نفسك من هنا وهناك ؟ ومن أجل معالجتها وحمايتها ووقايتها كم تصرف من الوقت من أجل ذلك ؟
علينا أن نصرف جزءاً كبيراً من الوقت على هذا الجانب لأنه ما لم نصرف وقتاً في هذا الجانب فإن أوقاتنا الأخرى ستضيع هباءً لأن عقولنا مهما صارت ضخمة فهي فريسة وضحية لأنفسنا الأمارة بالسوء .
كما قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
( أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع ) .
انتبهوا إلى هذا التعبير الرائع ( مصارع العقول ) ومصرع تعني مقتل أي أن عقلك يقتل ولكن أين ؟
لا يقتل العقل بالسيف ولا بالعنف وإنما بالرغبات والشهوات التي تنتاب نفوسنا كالخوف والكسل والأنانية والراحة وما أشبه من هذه الأمراض التي علينا أن نصون أنفسنا منها .
رسـالتنا إصـلاح النفوس :
نحن نحمل رسالة إصلاح المجتمع وإنقاذ الأمة ولكن إلى أية منطقة وجانب من الناس نتوجه ؟
بعض المصلحين يتوجهون إلى عقول الناس فيقدمون الفكر والثقافة والعلم للناس وهذا جيد ولكنه وحده لا يكفي ، لأن مشكلة الناس لا تنبع فقط من قلة علمهم وإنما هناك مشاكل نفسية ، الناس مصابون بالخوف والهلع والجبن فيجب انتزاع ذلك من نفوسهم وإلا فلن ينتفعوا بالعلم ولا الثقافة وهنا أذكر الاخوة بشخصية حسان بن ثابت الصحابي الأديب الذي اعترف له الشعراء بالفضل والتفوق حتى قال أبو عبيدة : إن العرب قد اجتمعت على أن حسان أشعر أهل المدن .
ولكن مع قوة أدبه وسعة أفقه اسمعوا عن الوجه الآخر لشخصيته : ( ذكر ابن قتيبه في المعارف أنه لم يشهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مشهداً قط . قالت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : كان معنا حسان في حصن فارغ يوم الخندق مع النساء والصبيان فمر بنا في الحصن رجل يهودي فجعل يطوف بالحصن فقلت : يا حسان أنا والله لا آمن أن يدل علينا هذا اليهودي أصحابه ، ورسول الله قد شغل عنا فانزل إليه واقتله .
قال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب ما أنا بصاحب شجاعة !
قالت : فلما قال لي ذلك ، ولم أرَ عنده شيئاً اعتجرت – لبست المعجر – ثم أخذت عموداً ونزلت إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، ثم رجعت إلى الحصن وقلت : يا حسان انزل إليه واسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل .
فقال : مالي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب !!
وكان حسان قد اقتدى في فعله هذا بقول الشاعر :
بـاتت تشجعني هنـد وما علمـت
أن الشـجاعة مقـرون بها العـطب
لا والـذي منـع الأبصار رؤيتـه
ما يشتهي الموت عنـدي من له ارب
للحـرب قـوم أضـل الله سـعيهم
إذا دعـتـهم إلى نـيرانها وثبـوا
ولسـت منهم ولا أبغـي فعـالهـم
لا القتل يعجبني منهم ولا السلـب 1
فهل يسرنا أن يكون أبناء مجتمعنا في مثل علم وأدب حسان مع نفسيته الجبانة الضعيفة ؟ !
إننا إذا أردنا إصلاح شعوبنا ومجتمعاتنا فمن الخطأ جداً أن نركز فقط على إعطاء الفكر والثقافة للناس ، لأن ذلك وحده لا يكفي بل يجب إصلاح نفوس الناس في البداية أليس الله سبحانه يقول : ) إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( 1 .
ونبينا محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكل الأنبياء ركزوا على هذا الجانب وهو إصلاح نفوس الناس فحينما نريد أن نكتب للناس حينما نريد أن نخاطب الجماهير ، علينا أن نفكر في المشاكل النفسية التي يعاني منها المجتمع ، نقدم لها الحول والعلاج وهذه أفضل خدمة نقدمها لجماهيرنا .
أساليب المعالجة النفسية :
في بعض الأوقات يكون الجانب العملي أكثر تأثيراً من الجانب النظري في إصلاح النفوس ومن هنا تبرز قيمة الانتفاضات والأعمال الثورية في المجتمعات والشعوب ، بعض الناس يقولون : إننا يجب أن نثقف الناس فنعطيهم الفكر والمعرفة والثقافة إلى مرحلة تستغرق سنين عديدة ، أما الأعمال الثورية والاصطدام مع السلطة وأعمال أخرى من هذا القبيل فهذه سابقة لأوانها ، لا بد من التثقيف والتوعية فقط في هذه المرحلة .
نقول : إذا اتفقنا على أن المشكلة معالجة نفوس الناس فقد تكون الأعمال الثورية أكثر تأثيراً في أعماق الناس من الأعمال الفكرية والثقافية المجردة .
الناس مقبلون على حب الدنيا ، يحبون الراحة ، يخافون على حياتهم ، وأموالهم وأنفسهم ، فلو أنك كتبت مائة كتاب عن التضحية ، وألقيت ألف محاضرة حول العطاء ، وتكلمت وخطبت ومارست التوجيه في هذا المجال قد لا يكون لكل هذا تأثير يعادل تأثير القيام بتضحية فعليه أمام هذا المجتمع ، وهذا مجرب في مجتمعاتنا وشعوبنا . في مجتمعنا قبل الانتفاضة التي حصلت كنا نمارس دور توجيه الناس وتثقيف المجتمع ولكن أحداث الانتفاضة التي عاشتها جماهيرنا في كل مكان تلك المظاهرات ، ذلك الاصطدام مع السلطات تلك الاعتقالات وهذه الأعمال الثورية استطاعت أن تقفز بالعمل أشواطاً كبيرة ومرحلة عالية جداً لماذا ؟
لأنه نضال لأنه عمل والإمام الحسين ( عليه السلام ) كان يعرف أنه بثورته لا يصل للحكم ، بل كان ينتظر الشهادة وقد قال في مكة قبل أن يشد رحاله نحو العراق : ( وكأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ) كان يعلم بأنه سيستشهد ، إذن لماذا ثار وتحرك ؟ لماذا لم يعمد الحسين والحال هذه إلى أسلوب الكتابة والتأليف والخطابة لتحريك الأمة وتغيير نفسياتها ؟
لأن الحسين كان يعلم بأن أسلوب الدم في ذلك الوقت كان أبلغ أثراً ، وكان أعظم تأثيراً وبالفعل فإن استشهاد الإمام الحسين حرك الأمة تلك الحركة العظيمة ، وكانت دماؤه ناقوس إنذار ، أيقظ بدمائه الأمة من سباتها العميق ، وكانت ثورته مشعلاً من مشاعل الهداية في النهضة الإسلامية العظيمة ولا يزال .
مشكلة المجتمع هي الأمراض النفسية من خوف وكسل وحب الذات والإنشداد إلى الدنيا والروح المصلحية ، هذه الأشياء هي التي تجعل الناس يخضعون للسلطات الطاغوتية فعلينا أن نعالج نفوس الناس كما نزيد من ثقافتهم ونوسع من آفاق أفكارهم .
وهذه الانتفاضات ثبت أن تأثيرها في معالجة النفوس كثيراً ما يكون ناجحاً ، وشاهدنا ذلك بأم أعيننا ، شاهدنا أشخاصاً كنا نحتاج إلى محاضرات وجلسات لكي نقنعهم بأن يتفرغوا شهراً ليعملوا في سبيل الله ، ويتخلوا عن أهلهم ووطنهم ، ولكن بعد التحرك الثوري أصبح هؤلاء الأشخاص يتطوعون بأنفسهم للتفرغ طيلة العمر وليس شهراً واحداً .
كنا نلقي المحاضرات والخطابات على الناس ونقول لهم : لا تخافوا ، لا ترهبوا كثيراً من قوة السلطة ، ولكن حينما واجه الناس قوات السلطة ، وحينما تساقط الشهداء في المواجهة ، وحينما عانى الناس تلك الظروف وتلك الأوضاع ، أصبح الناس هم الذين يشجعوننا وأصبح الناس هم الذين يدفعوننا للمواجهة ، وهم الذين يطمئنوننا بأنه لا داعي للخوف ، كلكم تعلمون بأن السجن كان شيئاً رهيباً في مجتمعاتنا ولم تكن الخطابات والمحاضرات كفيلة باقتلاع رهبة السجن من نفوس الناس ولكن الآن أصبح شيئاً اعتياديا عند شبابنا .

 الفصل الثاني











خطورة النفس في منطق الإسلام















( 1 )
النفس أمارة بالسوء

طبيعة النفس بما تنطوي عليه من رغبات وشهوات ، إنها تدفع بالإنسان نحو المفاسد والانحرافات ، من أجل تحصيل الملذات وإشباع الأهواء ، وإذا ما سيطرت الشهوات على النفس ، ولم تكن للإنسان إرادة رادعة ، ولا مقاومة حصينة ، فستهوي به شهواته إلى مكان سحيق ، على حساب مستقبله ، ومختلف جوانب مصلحته الدنيوية والأخروية .
وقد قرأت هذه الأيام خبراً نشرته جريدة ( الحياة ) التي تصدر في لندن يصلح شاهداً ونموذجاً على مدى ما يصل إليه الإنسان من انحطاط وخسة إذا انقاد إلى أهواء نفسه وشهواتها
تقول الجريدة في عددها الصادر بتاريخ 27/1/1991م 12/7/1411هـ :
من دلائل التفكك الاجتماعي والضياع الخلقي اللذين يتخبط بهما الجيل الجديد في أمريكا ، ما شهدته محكمة شيكاغو الأسبوع الماضي حين أصدرت حكماً بالسجن على والدة شابة حبست طفلتها في صندوق سيارتها من أجل دخولها إلى الملهى الليلي للقاء ( صديقها ) .
وقد أفادت باتريسيا وست (29عاما) أنها كانت على موعد مع (صديقها) في أحد الملاهي الليلية ولم تتمكن من إيجاد مربية تسهر على طفلتها جايني ( ثمانية أشهر ) من زوجها السابق الذي طلقته بعد ثلاثة أشهر من ولادة الطفلة . وقالت في مركز الشرطة : ( لا أفهم لماذا تظلمونني بهذا الشكل . فقد مددت طفلتي على بساط في صندوق السيارة ، وتركت لها قربها جهاز راديو كي تلهو بسماع الموسيقى فلا تخاف من الصمت والظلمة ) .
واكتشف المحققون أن المرأة تركت ابنتها طوال ثلاث ساعات في صندوق السيارة فيما أصرت على أنها كانت تتفقد ابنتها كل نصف ساعة : ( كنت أستأذن صديقي بحجة الذهاب إلى الحمام ، وأخرج لأتفقد جايني ، لكنه شك في الأمر بعد بضع مرات ولم يعد يسمح لي بالخروج ) .
وأفاد الشاهد جون نولاند العامل في مطعم بيتزا أنه مر قرب السيارة مرتين ، وسمع صراخ طفلة لكن لم يخطر بباله أنها في صندوق السيارة .
أما ريجينا جاكسون التي اتصلت بالشرطة فقالت في إفادتها : ( ظننت للوهلة الأولى أن في صندوق السيارة قطة تموء بهذا الصوت المخنوق ، ثم اقتربت أكثر وأرهفت السمع حتى تأكدت أنه صراخ طفل ) .
ولدى تلقي المخابرة هرع رجال الشرطة إلى المكان وفتحوا صندوق السيارة ليجدوا الطفلة على شفير الاختناق من شدة البكاء وانقطاع الهواء . فأخذوها وسحبوا السيارة بالقاطرة .
وبعد دقائق طويلة وصلت باتريسيا تتفقد ابنتها فأخذت تصرخ بأن ثمة من خطف ابنتها وسرق سيارتها ، سوى أنها لم تصرخ طويلاً لأن رجال الشرطة كانوا يترصدون على مقربة من المكان فاعتقلوها . وحين أخبروها بأنهم أخذوا طفلتها إلى بيت الأحداث أخذت تصيح بهم متوعدة بالادعاء عليهم بتهمة خطف ابنتها وسرقة سيارتها ، ولم تهدأ إلا على صدمة سماعها من قائد الفرقة أنت موقوفة يا سيدتي بتهمة إهمال ابنتك وتعريضها للموت )
هكذا تكون النفس أمارة بالسوء ، ولذلك تحذرنا النصوص الدينية من هذه الطبيعة المتأصلة في النفس ، وتدعونا إلى التسلح بالوعي والإرادة ، لنصمد أمام الاغراءات ، ونتمرد على أوامر الشهوات والأهواء :
1. يقول القرآن الحكيم نقلاً عن نبي الله يوسف الصديق ( عليه السلام ) ، والذي ضرب أروع الأمثلة في الصمود أمام الشهوة ، والثبات أمام الإغراء ، ولكنه مع ذلك يؤكد الطبيعة النفسية الدافعة نحو السوء ، وأن التقوى هي وحدها وسيلة النجاة ، وملجأ الخلاص ، وهي التجسيد لرحمة الله . يقول تعالى : ) وما ابرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ( 1
2. ويشير الإمام علي ( عليه السلام ) ، إلى ما يحل بالإنسان ويصيبه إذا ما تجاهل طبيعة نفسه الأمارة بالسوء ، وتعامل معها بانقياد مطلق وثقة عمياء حيث يقول : ( إن النفس لأمارة بالسوء والفحشاء ، فمن ائتمنها خانته ، ومن استنام إليها أهلكته ، ومن رضي عنها أوردته شر المورد ) 2
3. ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( إن هذه النفس لأمارة بالسوء فمن أهملها جمحت به إلى المآثم ) 3
4. وتتوسل نفس الإنسان بالخداع والإغراء ، لإيقاع الإنسان في شبك المعصية والحرام ، فعلى الإنسان أن يكون يقظاً حذراً ، وأن لا يمنح ثقته ويسلم قياده لأهواء نفسه ، يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( إن نفسك لخدوع ، إن تثق يقتدك الشيطان إلى ارتكاب المحارم ) 4
5. وفي عهده الذي كتبه لمالك الأشتر لما ولاه مصر يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ، ويزعها عند الجمحات ، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله ) 2
6. أما الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) ، فإنه ينبه الإنسان ويحذره من طبيعة نفسه ، بأسلوب تربوي حكيم ، عبر المناجاة والتضرع إلى الله سبحانه ، فيقول في مناجاته المعروفة بمناجاة الشاكين : ( إلهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمارة ، وإلى الخطيئة مبادرة ، وبمعاصيك مولعة ، ولسخطك متعرضة ، تسلك بي مسالك المهالك ، وتجعلني عندك أهون هالك ، كثيرة العلل ، طويلة الأمل ، إن مسها الشر تجزع ، وإن مسها الخير تمنع ، ميالة إلى اللعب واللهو ، مملؤة بالغفلة والسهو ، تسرع بي إلى الحوبة ، وتسوفني بالتوبة ) 3
7. وكم في التاريخ من أفراد ومن تجمعات كانوا ضحايا وقرابين لانخداعهم واغترارهم بنفوسهم الأمارة بالسوء ، وقتلى الخوارج في واقعة النهروان ، والذين يقارب عددهم أربعة آلاف شخص ، هم نموذج واضح لهذه الحقيقة ، فقد كانوا من أنصار الإمام علي ( عليه السلام ) ومن أصحابه ، ولكنهم في لحظة غفلة وضلال ، استحوذ عليهم الشيطان ، وأسلموا قيادهم للنفس الأمارة بالسوء !!
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان : ( بؤساً لكم ، لقد ضركم من غركم ) .
فقيل له : من غرهم يا أمير المؤمنين ؟
فقال : ( الشيطان المضل ، والأنفس الأمارة بالسوء ، غرتهم بالأماني ، وفسحت لهم بالمعاصي ، ووعدتهم الإظهار ، فاقتحمت بهم النار ) 1

















( 2 )
الجهاد الأكبر .. جهاد النفس

إن أكبر وأصعب امتحان كتبه الله تعالى على الإنسان في هذه الحياة هو ابتلاء الإنسان بنفسه ، وعلى أساس نجاح الإنسان وتفوقه في هذا الامتحان يكون موقعه عند الله ، ومستقبله الدنيوي والأخروي . . من هنا كانت المعركة مع النفس أشق وأخطر معركة يخوضها الإنسان في حياته .
أ‌- فهي معركة حتمية لا خيار لأحد فيها ولا يستثنى أحد منها حتى الأنبياء والأوصياء والأولياء . . وإذا كان الإنسان يستطيع اجتناب المعارك والصراعات مع الآخرين بطريقة أو أخرى فإنه لا فرار له من معركته مع نفسه .
ب‌- وهي معركة دائمة مساحتها طوال عمر الإنسان منذ أن يدركه الوعي وإلى أن تفارقه الحياة ، ويحصل أن يكسب إنسان المعركة ضد نفسه طيلة حياته ثم يخسرها في اللحظات الأخيرة من عمره !!
ت‌- كذلك فإنها معركة شاملة تستوعب كل جوانب حياة الإنسان ، ومختلف شؤونه ، وتمتد إلى جميع الزوايا والتفاصيل ، فكراً وإحساساً وعملاً وقولاً ، وإشارةً وصمتاً . . حيث أن خطر الأهواء والشهوات النفسية يهدد سلامة معتقد الإنسان وأفكاره ، وصحة مشاعره وأحاسيسه ، وصدق أقواله ومواقفه ، واستقامة تعامله وعلاقاته . .
ث‌- والأدهى من كل ذلك قوة الارتباط وشدة العلاقة ووثاقتها بين الإنسان ونفسه ، فالنفس أقرب شيء للإنسان ، وهي متداخلة معه وملتصقة به . وكم هو صعب على الإنسان أن يعايش عدوه ويتداخل معه ، ويكون قريباً منه ووثيق الصلة به ؟؟
لكل ذلك تصبح المعركة مع النفس أخطر معركة ، ويصدق تماماً ما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله) من أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر وهذا ما تؤكده النصوص التالية :
1 – يقول تعالى: )وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى( 1 فالمنتصر على نفسه في معركته الحتمية الدائمة الشاملة معها يستحق الجائزة الكبرى وهي الجنة ، والوصول إلى الجنة يستحق من الإنسان كل ذلك التعب والمشقة والعناء . .
2 – وعن أمير المؤمنين على ابن أبى طالب ( عليه السلام ) قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعث سريه – فرقة عسكرية – فلما رجعوا قال ( مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر ) .
قيل يا رسول الله وما الجهاد الأكبر ؟
قال : ( جهاد النفس ) ثم قال : ( أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه ) 2
ولعل الفقرة الأخيرة إشارة إلى أحد جوانب خطورة المعركة مع النفس ، وهو التداخل والالتصاق الذي تحدثنا عنه ، فهي عدو داخل الإنسان وبين جنبيه !!
3 – ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أشجع الناس من غلب هواه )
4 – وعن الإمام علي ( عليه السلام ) : ( املكوا أنفسكم بدوام جهادها ) 3
5 – وعنه أيضاً ( عليه السلام ) : ( صلاح النفس مجاهدة الهوى ) 4
6 – ويتحدث الإمام علي ( عليه السلام ) عن بعض التكتيكات في المعركة مع النفس قائلاً : ( إذا صعبت عليك نفسك فاصعب لها تذل لك ، وخادع نفسك عن نفسك تنقد لك ) 5
فعلى الإنسان أن لا ينهزم بسرعة أمام صعوبة المعركة ، ولا أن يستجيب لخداع العدو ، وبصموده تنهزم أهواء النفس وتنهار ذليلة خانعة ، وبوعيه يفوت الفرصة على الاغراءات ويخدعها . .
7 – ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أقبل على نفسك بالإدبار عنها ) 6 ذلك أن الإقبال على النفس بالاستجابة لرغباتها مهلك للإنسان ونفسه ، بينما التعامل مع النفس بالتنكر لأهوائها هو لمصلحة النفس . .
8 – وعنه أيضاً ( عليه السلام ) دواء النفس الصوم عن الهوى والحمية عن لذات الدنيا ) 7
9 – وفي إحدى خطبه يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( واعلموا أنه ما من طاعة الله شيء إلا يأتي في كره ، وما من معصية الله شيء إلا يأتي في شهوة ، فرحم الله امرأً نزع عن شهوته ، وقمع هوى نفسه ، فإن هذه النفس أبعد شيء مِنزعا ، وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى ، واعلموا – عباد الله – أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده ، فلا يزال زارياً عليها ، مستزيداً لها ) 1
10- وفي وصية قدمها إلى شريح بن هاني يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( اتق الله في كل صباح ومساء ، وخف على نفسك الدنيا الغرور ، ولا تأمنها على حال ، واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب ، مخافة مكروه ، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر ، فكن لنفسك مانعاً رادعا ، ولِنزوتك عند الحفيظة واقماً قامعاً ) 2
11 – ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه ) 3 لأن خلفية العمل وهي الانتصار على النفس ومخالفتها أهم من ذات العمل .
12 – ويؤكد الإمام علي ( عليه السلام ) الدور الحاسم لذات الإنسان مقاومة نفسه فيقول : ( واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر ، لم يكن له من غيرها لا زاجر ولا واعظ ) 4
13 – ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ) 5
كما سبق وأن أشرنا فالمعركة مع النفس لا يستثنى منها أحد فهذا علي مع عظمته ومكانته إلا أنه ممتحن بنفسه كسائر البشر ، ولعل من أسرار عظمته نجاحه المميز في الانتصار على نفسه .
14 – ويقول أيضاً ( عليه السلام ) : ( خدمة الحسد إعطاؤه ما يستدعيه من الملاذ والشهوات والمقتنيات في ذلك هلاك النفس ) 1
15 – وتسليطاً للضوء على طبيعة المعركة في النفس وتحديد أطرافها ومواقعها يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( العقل صاحب جيش الرحمان ، والهوى قائد جيش الشيطان ، والنفس متجاذبة بينهما فأيهما غلب كانت في حيزه ) 2
16 – وفي حديث آخر بنفس المضمون يقول ( عليه السلام ) : ( العقل والشهوة ضدان ، مؤيد العقل والعلم ، ومزين الشهوة الهوى ، والنفس متنازعة بينهما فأيهما قهر كانت في جانبه ) 3
فالعقل هو رائد معركة الإنسان ضد نفسه ، والعلم والمعرفة سلاح رئيسي في هذه المعركة ، ولكل من طرفي المعركة وهما العقل والهوى جنود وأسلحة فهما جيشان : جيش الرحمان وجيش الشيطان يتصارعان على أرض نفس الإنسان .










( 3 )
النفس وتأثيرها المصيري على الإنسان

حياة الإنسان الدنيوية ومستقبله الأخروي ، كلاهما رهين وخاضع لتأثير حالته النفسية ، فإذا ما صفت النفس وانقادت لتوجيه العقل ضمن الإنسان سعادته في الدارين ، وإذا ما حصل العكس من ذلك بسيطرة أهواء النفس وشهواتها على قرار الإنسان ، فإن الشقاء سيلف حياته في الدنيا والآخرة .
والنصوص الدينية تؤكد هذه الحقيقة وتسلط الأضواء على براهينها وأبعادها كما يأتي :
1. يقول تعالى : ) ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ( 1
ففلاح الإنسان ونجاحه يرتبط بتزكيته لنفسه ، والخيبة والدمار نتيجة حتمية لتمركز الانحرافات وتلويثها للنفس ، وكما أن النفس تتقبل التزكية بالتقوى ، فإنها مهيأة للانحراف والفجور .
2. يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( ولا يلم لائم إلا نفسه ) 2
فالنفس هي التي تصنع مستقبل الإنسان ، وإذا ما لاحظ الإنسان سوءاً في مصيره ومستقبله ، فلا يتحمل مسؤولية ذلك إلا نفسه .








( 4 )
من أمراض النفس

إنما تنبع الأسواء والمشاكل من تلك الحالات المرضية ، التي تحدث في النفس ، وتنمو وتترعرع في حناياها ، فما هي تلك الحالات المرضية ؟ وكيف يعالجها الإنسان ؟
هذا ما تتحدث عنه بعض النصوص الدينية التالية :
1- جرأة الإنسان على قتل أخيه الإنسان ومصادرة حقه في الحياة ، تعتبر أكبر جريمة بشعة ، وإنما يقوم بها الإنسان على بشاعتها نتيجة حالة نفسية مرضية ، ويتحدث القرآن الحكيم عن أول جريمة قتل وقعت على الأرض حيث قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل ، وينسب القرآن هذه الجريمة إلى النفس . يقول تعالى :
) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فاصبح من الخاسرين ( 1
2- والخوف حالة نفسية يقول تعالى : ) فأوجس في نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ( 2
3- والبخل مرض نفسي يقول تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فاؤلئك هم المفلحون ( 3
4- والنفس هي التي تزين للإنسان وتدفعه للارتداد عن الدين وسوء التعامل مع قضاياه ، كما حصل للسامري ، صاحب نبي الله موسى ( عليه السلام ) والذي أضل الناس المؤمنين بتوجيههم لعبادة عجل صنعه من الحلي ،يقول تعالى: ) قال فما خطبك يا سامري .قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (4
5- وأهواء النفس سبب مخالفة الأنبياء والعدوان عليهم يقول تعالى : ) أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ( 1
6- وأخوة نبي الله يوسف ( عليه السلام ) إنما قاموا تجاهه بتلك الجريمة النكراء ، حيث ألقوه في قاع الجب ، وهو ذلك الصغير الوديع المتفرد في جماله وحسنه ، إنما صنعوا ذلك لانحراف نفسي أصابهم يقول تعالى على لسان أبيهم يعقوب ( عليه السلام ) : ) قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ( 2
7- والحسد حالة مرضية نفسية بين الأفراد أو الأمم والمجتمعات يقول تعالى : ) ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد أيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ( 3
8- والتكبر مرض يعشعش في أرجاء النفس يقول تعالى : ) لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً ( 4
9- والإعراض عن دين الله ورسالة الأنبياء إنما ينشأ من حالة انحراف نفسي يطلق عليه القرآن ( سفاهة ) يقول تعالى : ) ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( 5
10- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( آفة النفس الوله بالدنيا ) 6
11- ويقول أيضاً ( عليه السلام ) : ( عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله ) 7






( 5 )
إصلاح النفس أولا

أول وأهم قضية يجب أن يتوجه إليها الإنسان ويركز عليها هي إصلاح نفسه ، لأن ذلك مفتاح سعادته ، ولأنه بعد ذلك يستطيع معالجة سائر القضايا ، وتحصيل مختلف متطلبات الحياة ، ويضمن حينئذ الاستفادة الصحيحة والاستخدام السليم لما منحه الله من طاقات وقدرات . . أما مع انحراف النفس فكل المكاسب والإمكانيات التي ينالها الإنسان في هذه الحياة قد تصبح وبالاً عليه ، ووسائل دمار تصيبه والآخرين بالشر والضرر .
فالعلم أو المال أو القوة أو الجمال أو أي إمكانية أخرى إذا كانت تحت تصرف نفس شريرة فاسدة ، أو تحكمها قرارات شهوانية من وحي الهوى ، فإنها قد تجلب الخسار والشقاء والدمار لصاحبها وللآخرين .
ومآسي البشرية في الماضي والحاضر هي سجل كبير لشواهد وأدلة هذه الحقيقة الواضحة .
لذا كان من الطبيعي أن تركز النصوص الدينية على مسألة الاهتمام بإصلاح النفس كمنطلق لإصلاح الإنسان والحياة كما نلاحظ في النصوص التالية :
1- يقول تعالى : ) إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( 1
2- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( ومن لم يهذب نفسه لم ينتفع بالعقل ) 2 فكما سبق في الفصل الأول من الكتاب ، أن العقل يعطي رأيه وموقفه في القضايا والأمور ، لكن النفس بشهواتها وأهوائها غير المنضبطة والملتزمة تسكت صوت العقل ، وتدفع الإنسان إلى مخالفته .
3- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أعجز الناس من عجز من إصلاح نفسه ) 3
فالعاجز عن إصلاح نفسه هل يقدر على إصلاح نفوس الآخرين أو إصلاح أمور الحياة ؟
4- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أعجز الناس من قدر على أن يزيل النقص عن نفسه فلم يفعل ) 1
ومبدئياً فالإنسان قادر على إزالة نواقص نفسه لكن الأهواء والشهوات هي التي تمنعه من ذلك ، ومن عجز عن مقاومة شهواته لا يرجى له الانتصار في الحياة .
5- ويقول أيضاً ( عليه السلام ) : ( من أصلح نفسه ملكها ومن أهمل نفسه أهلكها ) 2
6- وما قيمة الحياة في أسر الهوى وعبودية الشهوة ؟ إنها تصبح حينئذ جحيماً للمعصية والإثم ، وبؤرة للفساد والشر .
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( من لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ، ومن كان في نقص فالموت خير له ) 3
7- وأسوأ شيء أن يشعر الإنسان باستغناء نفسه عن الإصلاح وعدم حاجتها للتهذيب ، عندها يغضب عليه الرب سبحانه ، ويكرهه الناس ، لتماديه في فساده وانحرافه . يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( ومن رضي عن نفسه كثر الساخط عليه ) 4
8- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أيها الناس تولوا من أنفسكم تأديبها ، واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها ) 5
فالتعود على أمر لا يعطيه الشرعية ولا يجعله صحيحاً إن كان في أصله سيئاً ، وعلى الإنسان أن لا يستسلم لعادات نفسه مهما كانت متمكنة في حياته .
9- وكتب الإمام علي ( عليه السلام ) وصية لأنبه الإمام الحسن ( عليه السلام ) جاء فيها : ( ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك ، أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ، ومقتبل الدهر ، ذونية سليمة ، ونفس صافية ) 6
ففي بداية الحياة وقبل أن تتلوث النفس بالمصالح والانشدادات المادية يكون إصلاحها أسهل وأفضل .
10- عن الإمام علي ( عليه السلام ) : ( ليس على وجه الأرض أكرم على الله سبحانه من النفس المطيعة لأمره ) 1
11- وعنه أيضاً ( عليه السلام ) : ( سبب صلاح النفس الورع ) 2
12- وقال أيضاً (عليه السلام ) : ( من ذم نفسه أصلحها ، من مدح نفسه فقد ذبحها ) 3
13- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( من جانب هواه صح عقله ) 4
14- وفي كلمة أخرى يشير الإمام علي ( عليه السلام ) إلى أن العقل لا يمارس دوره القيادي الكامل في حياة الإنسان إلا إذا استقل عن تأثيرات أهواء النفس وشهواتها فيقول : ( شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا ) 5













( 6 )
النفس أخطر الأعداء


معرفة الإنسان بعدوه ، واطلاعه على خططه وأساليبه ، تجعله أقدر على مواجهته والتغلب عليه . وكلما خفي العدو أو أخفى خططه ووسائله ، كانت مقاومته أصعب وخطورته أشد
وهنا تكمن مشكلة الإنسان مع نفسه ، حيث لا يكتشف عداوتها بسهولة ، كما تتفنن في استخدام الأساليب الماكرة الخادعة والتي قد لا يحسب الإنسان لها حساباً ، أو لا يتوقع أثرها العدائي .
ومهمة النصوص والتوجيهات الدينية تتحدد بشكل أساسي في تعريف الإنسان على نفسه ، وكشف دوافعها ونوازعها أمامه ، ليتعامل معها بيقظة ونباهة ووضوح .
1- عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ) 1
2- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( عدو العقل الهوى ) 2









( 7 )
محاسبة النفس ومراقبتها

وجود الرغبات والميول الشهوانية في النفس أمر لا خيار للإنسان فيه ، حيث اقتضت ذلك حكمة الرب سبحانه ، لكن توجيه تلك الميول وترشيد تلك الرغبات هي مسؤولية الإنسان التي خلق من أجل أن يؤديها في هذه الحياة .
وعلى الإنسان أن يمارس بعقله ووجدانه دور الإشراف على نزعات النفس ، وملاحظة رغباتها ، ليمنع من نمو وترعرع الاتجاهات الفاسدة ، وليعالج ما قد يعتور النفس من أمراض وعاهات ، وليضع حداً لما قد يحصل من أخطاء وأغلاط .
وكما يحتاج الجسم إلى الغسل والتنظيف ، وإجراء الفحوص الطبية ، ومعالجة الأمراض الطارئة ، كذلك تحتاج النفس إلى صيانة مستمرة ، ورقابة دائمة ، للحفاظ عليها من التلوث ، ولحمايتها من الشوائب .
وتأتي النصوص الدينية بشكل مكثف داعية إلى ضرورة اعتماد برنامج ثابت ، وخطة دائمة لمحاسبة النفس ومراقبتها .
1- عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( على العاقل أن يكون له ساعات يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيما صنع الله عز وجل إليه) 1
2- وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يكون العبد مؤمناً حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه والسيد عبده ) 2
3- وعن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) : ( ألا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإن في القيامة خمسين موقفاً كل موقف مقام ألف سنة ، ثم تلا هذه الآية  في يوم كان مقداره ألف سنة  3
4- وعن الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) : ( ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل خيراً استزاد الله منه ، وحمد الله عليه ، وإن عمل شراً استغفر الله منه وتاب إليه ) 1
5- ويحذر الإمام علي ( عليه السلام ) من غياب دور المحاسبة والمراقبة على النفس قائلاً : ( من أهمل نفسه ضيع أمره ) 2
6- وعلى الإنسان أن يكون دقيقاً وصارماً في محاسبة نفسه ومراقبتها وإلا فسيدفع ثمن التساهل والتسيب غالياً . يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( من سامح نفسه فيما يحب أتعبته فيما يكره ) 3
7- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ) 4
8- ويقول أيضاً ( عليه السلام ) : ( عباد الله : زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ) 5
وهكذا تتكرر المقارنة والملازمة في النصوص الدينية بين محاسبة الإنسان نفسه في الدنيا ومحاسبة الله تعالى له في الآخرة ، فكلما واظب الإنسان على الإشراف والتوجيه والملاحظة لنفسه في الدنيا ، وفر على نفسه عناء حساب الآخرة ، أما تفريطه وتماهله وتساهله في محاسبة نفسه في الدنيا ، فسيكلفه مشقة وعذاباً طول الحساب أمام الله تعالى في الآخرة .
9- والعجيب من الإنسان أنه يتشاغل عن محاسبة نفسه ومراقبتها بملاحظة أخطاء الآخرين وثغراتهم ، والتحدث عن عيوبهم ومساوئهم يقول الإمام علي(عليه السلام) : ( فحاسب نفسك فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك ) 6

( 8 )
نتائج الانحراف النفسي

إن مضاعفات وأخطار ما يصيب النفس من انحرافات وأمراض هي مضاعفات وأخطار عظيمة ، تطال مختلف جوانب حياة الإنسان ، وتملأ واقعة الدنيوي ومستقبله الأخروي بالحسرة والشقاء .
والإنسان الذي تدفعه غريزة حب الذات إلى دفع الأخطار وتجنب الأضرار ، كيف يتساهل تجاه تلك المضاعفات والأخطار العظيمة ؟ وكيف يرضى لنفسه الدمار والشقاء من أجل شهوات محدودة ومكاسب حقيرة ؟
إنه في حاجة ماسة إلى التذكير والإرشاد والوعظ حتى لا يقع في هذا المزلق الخطير ، وهذا ما تهدفه النصوص التالية :
1- وكحقيقة مسلمة ينسب القرآن الكريم كل ما ينال الإنسان من مصائب ونكسات إلى نفسه يقول تعالى : ) وما أصابك من سيئة فمن نفسك ( 1
2- وفي التجمعات والأمم كما في الأفراد فإن مصدر انتكاساتها وهزائمها هي الحالات النفسية يقول تعالى : ) أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم آنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ( 2
والآية الكريمة تتحدث عن الهزيمة العسكرية التي أصابت المسلمين في واقعة أحد فهي نتيجة للحالات النفسية الخاطئة التي أصابت نفوس المقاتلين . وخاصة الرماة الذين كانوا على قمة الجبل فتخلوا عن موقعهم الاستراتيجي للحصول على الغنائم مما مكن العدو من احتلال الموقع والسيطرة على المعركة كما هو معروف في التاريخ .
3- ويقول تعالى : ) ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعهما على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم ( 3
4- ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( لا ترخص لنفسك في مطاوعة الهوى ، وإيثار لذات الدنيا ، فتفسد دينك ولا يصلح ، وتخسر نفسك ولا تربح) 1
إنها خسارة الدين والدنيا .
5- إن من أخطر أضرار الانحرافات النفسية تأثيرها على العقل حيث تشل قدرته وتعطل دوره ، يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( ذهاب العقل بين الهوى والشهوة ) 2
وماذا يبقى من الإنسان إذا ذهب عقله ؟ وما هي قيمته بعد ذلك ؟
6- ويحذر الإمام علي ( عليه السلام ) من تسيطر الشهوات على العقل ليكون أداة لغيها بدل أن يمارس دور الإرشاد والوجيه لها ، فيقول : ( قد خرقت الشهوات عقله ) 3
7- وكتب الإمام علي ( عليه السلام ) إلى معاوية بن أبي سفيان قائلاً فإن نفسك قد أولجتك شرا ، وأقحمتك غيا ، وأوردتك المهالك ، وأوعرت عليك المسالك)4
وذلك هو مكمن الخلل وأصل الضلال والانحراف لدى معاوية .











 الفصل الثالث












خطر السقوط














لماذا نردد في صلاتنا مرارا كل يوم ) اهدنا الصراط المستقيم ( ؟ أولسنا الآن باعتبارنا مسلمين مؤمنين نسلك الصراط المستقيم ؟ هل نشك في الخط الذي نسير عليه ونحتمل في أنفسنا الضلال ؟ أم ماذا ؟ .
في الواقع : إن الصراط المستقيم ليس طريقاً يبحث عنه الإنسان عند مفترق طرق فإذا ما اهتدى إليه سلكه واستمر في السير عليه مرة واحدة إلى الأخير . . .
بل إن الإنسان في كل لحظة وأمام أي موقف أو قضية أو كلمة يجد أمامه طرقاً كثيرة وخيارات عدة أحدها يمثل الصراط المستقيم بينما البقية طرق ملتوية معوجة . .
وفي كل لحظة يتعرض الإنسان لخطر الانحراف والتنكب عن الصراط المستقيم الذي يسير عليه ولذلك يردد دائماً : ) اهدنا الصراط المستقيم . . . . ( فالمطلوب ليس مجرد اكتشاف الخط الصحيح في الحياة والبدء بالسير عليه بل المطلوب هو استقامة السير والاستمرار فيه .
إن الله تعالى يلفتنا أن نطلب منه الوقاية والسلامة من الزيغ والضلال بعد الهداية والصلاح فيعلمنا أن نقول : ) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( 1
وفي مورد آخر يذكرنا الباري جل وعلا بقصة ذلك العالم الإسرائيلي الكبير (بلعم بن باعوراء) كنموذج سيئ للسقوط في أوحال الكفر والضلال بعد أن كان متسنما لذروة الهداية والصلاح يقول عنه تعالى :
) واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ( 2
وإبليس ألم يكن عابداً لله خاضعاً حتى رفعه الله إلى درجة الملائكة مع أنه من الجن كما يقول تعالى : ) إن إبليس كان من الجن ( ولكنه في لحظة انحراف واحدة أصبح رمز الشقاء والضلال إلى يوم القيامة ( وكان قد عبد الله ستة الآف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أمن سني الآخرة ) 1 كما يقول الإمام علي ( عليه السلام ) .
وتحدثنا الروايات عن بعض النماذج التاريخية التي أصابها السقوط والانحراف بعد أن قطعت شوطاً طويلاً من السير على خط الهداية والصلاح ، فمثلاً ( برصيصا ) ذلك العابد الزاهد الذي كان قدوة في الخشوع والخضوع لأحد مجتمعات بني إسرائيل ولفضله ومكانته عند الله كان مستجاب الدعاء يؤتى بالمجانين والمرضى فيدعو لهم ويعوذهم فيطيبون على يديه
وذات مرة جيء له بامرأة جميلة ذات شرف قد أصابها الجنون وتركها إخوتها في صومعته ليشفيها الله ببركة أنفاسه ودعائه . . .
وفي لحظة سيئة وإذا بذلك العابد الزاهد يمارس الجريمة مع تلك المريضة المجنونة !!!
وانتبه لنفسه بعد الجريمة فلعل المرأة قد حملت منه !!!
يا للفضيحة والعار . . .
وهنا قرر أن يقتلها ويدفنها في الصحراء ليتخلص من الفضيحة !!! ولكنها فضيحة مكشوفة وجريمة ثابتة لا يمكن التنصل منها فقد اضطر للاعتراف بذلك أمام السلطة وحكم عليه بالإعدام مصلوباً بعد إدانته بجريمتين الزنا والقتل . . .
فأتى إليه الشيطان وهو مصلوب على الخشبه ينتظر لحظة الموت ليستريح من حياة الخزي والعار فوسوس إليه الشيطان قائلا : أنا الذي القيتك في هذا فاسجد لي سجدة واحدة حتى أخلصك . . .
قال العابد ( المجرم الشقي ) مستجيباً لطب الشيطان كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة ؟
فأجابه الشيطان أكتفي منك بالإيماء .
فأومأ بالسجود للشيطان . . . وبعدها مباشرة لفظ آخر نفس من أنفاس حياته . . . 2
لقد انتهت حياته ويداه ملطختان بأبشع الجرائم فقد مارس جريمة الزنا ثم قام بجريمة القتل ثم كفر بالله وسجد للشيطان . . . بعد أن كان عابداً مستجاب الدعوة عند الله . . .
هكذا يكون الإنسان مهما كانت درجة إيمانه معرضاً لخطر السقوط والانحراف في كل لحظة من لحظات حياته يقول الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة لا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه )1
بل أن هناك نصوصاً وأحاديث تشير إلى أن المؤمن ليس معرضاً لخطر الضلال والانحراف كسائر الناس بل أن وضعه أخطر وتعرضه لمحاولات الانحراف والضلال أكثر من الآخرين . . .
يقول إمامنا جعفر الصادق ( عليه السلام ) في أول وصيته لعبدالله بن جندب : يا عبدالله لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور فما يقصد فيها إلا أولياءنا ) 2
وفي حديث آخر قال : ( عليه السلام ) : ( إن الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته يأتيه عن يمينه وعن يساره ليصده عما هو عليه . . . ) 3
ومرة سئل أحد الأئمة ( عليهم السلام ) من قبل أحد تلامذته المجاهدين : قال : يابن رسول الله أتخاف علينا من الشيطان ؟
فأجابه الإمام : وهل الخوف من الشيطان إلا عليكم أما غيركم فقد خلص منهم . . .
وعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( إذا مات المؤمن خلى على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر كانوا مشتغلين به ) 4


من أين يأتي الخطر ؟

ولكن لماذا يصبح احتمال الانحراف وارداً في حياة الإنسان المؤمن ؟ يبدو أن هناك أسباباً عدة وراء ذلك وخاصة بالنسبة لنا كمؤمنين نعيش في هذا العصر :
فأولاً : رواسـب التربية البيئية
فآباؤنا وعوائلنا وبيئتنا التي نشأنا فيها لم تكن في المستوى المطلوب من الوعي والالتزام بالقيم الإسلامية الصحيحة . . . إن أغلب العوائل في مجتمعنا لا تعرف شيئاً عن أساليب التربية السليمة ولا عن مناهج الإسلام في التربية وتوجيه الأولاد . . وإن الثقافة التي يحملها أهالينا والتي يغرسونها في أذهاننا ليست نقية وصافية ، إنها مشوبة بالأوهام والخرافات والتزييف ، وإن طريقة الأخلاق التعامل التي ننشأ في ظللها لست وفق ما يريد الإسلام مائة في المائة بل هي مليئة بالأخطاء والانحرافات . . .
وحينما يتربى الإنسان في مثل هذه الأوضاع والظروف فإنه حتى وإن توفق لإصلاح نفسه واهتدى إلى الصراط المستقيم في حياته فإن رواسب تلك التربية والبيئة قد يبقى بعضها في نفسه ليقذف به في مهاوي الانحراف والضلال . . .

ثانياً : ضـغوط الالتـزام
ففي هذا العصر المادي وفي مثل هذه الأجواء الفاسدة التي نعيش ، يصبح الالتزام بالمبادئ والقيم مصدر مصاعب ومتاعب وضغوط قاسية في حياة الإنسان المؤمن . . .
وقد صدق رسولنا العظيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو الصادق الأمين حينما قال : ( يأتي على الناس زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ) .
هذه الضغوط التي يعانيها الإنسان المؤمن من قبل سلطات الطاغوت أو قطاعات المجتمع المتخلف وحتى من قبل أهله وعائلته . . . ولتحديه الأجواء الفاسدة ومواجهته للواقع السيئ . . . كل تلك الضغوط تسبب له مضايقة نفسية قد تؤدي إلى بعض التراجع والانهزام أو سوء الخلق وتعقد النفس . . .
رابعاً وأخيراً : دور الشيطان
إن وجود المؤمن في هذا العصر يشكل تحدياً صارخاً وكبيراً للشيطان فكيف إذا ما كان ذلك المؤمن رسالياً يعمل على هداية الآخرين ، ونسف خطط الشيطان ، وتخريب الأجواء عليه ؟
إن المؤمن الرسالي هو أخطر جبهة يعمل الشيطان على مقاومتها ويوجه جهوده نحوها وأقل غفلة تمر على المؤمن الرسالي فإن الشيطان مستعد لاغتنامها حيث يبدأ بالتسرب داخل حياته ولو من ثغرة بسيطة ، وعبر ذنب صغير .
لذا جاء في الحديث الشريف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( والذي نفس محمد بيده لعالم واحد أشد على إبليس من ألف عابد ، لأن العابد لنفسه والعالم لغيره ) 1
والسبب واضح فألف عباد ليست لهم فطنة وفقه في دينهم لا يجد الشيطان عناءً كبيراً في إضلالهم والانحراف بهم ومن ناحية أخرى فهم يشكلون خطراً محدوداً لا يتعدى أنفسهم لأن امتدادهم وتأثيرهم على الآخرين ليس وارداً . . أما مؤمن واحد يفقه دينه ويعيه بمختلف أبعاده فإن إضلاله مهمة شاقة وصعبة على الشيطان هذا أولاً وثانياً فإنه جبهته قابلة للتوسع والامتداد بواسطة تأثيره واستقطابه للآخرين . . .
من هنا يصب الشيطان كل جهوده واهتمامه على هذه الجبهة الخطيرة وهي : المؤمن الرسالي . . .
وقد جاءت النصوص الدينية عن أنبياء الله وأئمة الهدى تحذرنا من الغفلة وتؤكد علينا ضرورة استمرار التنبه واليقظة . . .
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
( ومن غفل غرته الأماني وأخذته الحسرة ) 2
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) :
( إن كان الشيطان عدواً فالغفلة لماذا ؟ ) 3
احذروا مؤامرات الشيطان
وثمة ملاحظة أخرى مهمة جداً في هذا المجال :
حينما يعمل الشيطان على إضـلال المؤمن بالانحراف به عن جادة الصراط المستقيم فإنه قد لا يأتيه من قبل الذنوب الواضحة والمعاصي المكشوفة فيحاول مثلاً أن يقنعه بشرب الخمر أو باللواط أو ترك الصلاة . . . إنها حينئذ محاولة مفضوحة ومحكوم عليها بالفشل بالنسبة لمؤمن ملتزم . . . فلا بد من اختيار الخطة المناسبة التي يمكن أن ينطلي على المؤمن في لحظة غفلة أو سهو يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وصيته لكميل بن زياد ( إن لهم – الشياطين – خدعاً وشقاشق وزخارف ووساوس وخيلاء . على كل أحد قدر منزلته في الطاعة والمعصية فبحسب ذلك يستولون عليه بالغلبة ) 1
فعن أي طريق إذن يجيء الشيطان ؟ ؟
إنه يأتي للإنسان المؤمن عن طريق دينه ، فيحيك له مؤامرة يضفي عليها طابع الدين ، وينصب له فخاً عليه مظاهر الطاعة والعبادة وحينما يغيب عن المؤمن وعيه وانتباهه وتيقظه في إحدى اللحظات فإنه يقع في فخ الشيطان ويتورط في مصيدته !!
وهذا هو ما حذر منه القرآن الحكيم بقوله :  ولا تلبسوا الحق بالباطل  ويقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ولكي يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى ) 2
ومن هذا القبيل ما يصنعه الشيطان في نفوس بعض المؤمنين من تضخيم بعض قضايا الدين على حساب سائر القضايا الدينية .
يقول الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) في دعائه : ( فلولا أن الشيطان يختدعهم عن طاعتك ما عصاك عاصٍ ، ولولا أنه صور لهم الباطل في مثال الحق ما ضل عن طريقك ضال ) 1
فباسم العبادة والإقبال على الصلاة والدعاء يهمل الجهاد في سبيل الله . وتحت عنوان لزوم ( التقية ) ووجوبها يعيش المؤمن الخضوع والاستسلام للطغيان والباطل . . .
وبحجة اتباع وتقليد أحد الفقهاء والمجتهدين يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على مقاومة الظلم والفساد . . .
وبمبرر التفرغ لإصلاح الذات وبنائها يكون التهرب من النشاط والعمل في سبيل الله . . . إن أمثال هذه الموارد غالباً ما تكون مصائد وأحابيل للشيطان تنطلي على بعض المؤمنين في لحظات الغفلة وعدم الانتباه .
وعلينا أن نتذكر أحداث التاريخ لنستفيد منها دروساً تجعلنا قادرين على فضح مؤامرات الشيطان . . . فالذين اعتزلوا القتال مع أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ( عليه السلام ) ضد معاوية كانت لهم أمثال هذه التبريرات . . . حيث قالوا : إنها فتنة وتورط في سفك دماء المسلمين لا نلطخ أيدينا بها . . .
والذين قعدوا عن نصرة الإمام الحسين وسكتوا على حكم يزيد كانوا يقولون : مالنا والدخول بين السلاطين أو من لا تقية له لا دين له .








ضمانات الاستقامة

والآن : ما هي الضمانات التي يلجأ إليها الإنسان المؤمن لمواجهة أخطار الانحراف والضلال ؟؟؟
والجواب : أنها المزيد من الوعي واليقظة ومجاهدة النفس . . . ولكي يتوفق الإنسان لذلك لا أفضل من التتلمذ على توجيهات ووصايا أئمة الهدى وجدهم الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . .
تلك التوجيهات التي تنفذ إلى أعماق نفس الإنسان لتسلط له الضوء على الرواسب المتبقية في نفسه من التربية الخاطئة والبيئة الفاسدة . . .
والوصايا التي تعطي الإنسان الثقة بنفسه وترفع معنوياته وتجعله في مستوى التحدي ومواجهة كل دنيا الفساد وأجواء عالم الانحراف . . . إنها تكشف للإنسان عن حقائق الكون والحياة وتجعله ينظر إلى ما حوله ببصيرة نافذة وعميقة .
وتمنح هذه الوصايا الرائعة للإنسان قدرة نفسية كبيرة على تجاوز كل الضغوط ومواجهة جميع الأزمات والمصاعب التي تعترض طريق المؤمن الملتزم بصدر رحب ونفس مطمئنة راضية مرضية . . . وأخيراً فإن هذه التوجيهات العظيمة تفضح أمام الإنسان كل مخططات الشيطان ومؤامراته وتجعل الإنسان يقظاً واعياً مستقيماً على الصراط المستقيم . . .
إنها وصايا عظيمة رائعة لا تقدر بثمن . . . يقدمها للبشرية أئمة عرفوا الحياة معرفة حقيقية كاملة . . . وشقوا أمام الإنسان طريق الاستقامة والنجاح . . . وضربوا أروع المثل في الثبات على الطريق المستقيم رغم كل المصاعب والتحديات . . .
إنها وصايا صادقة مخلصة صدرت عن أئمة صادقين مخلصين . . . خرجت من أعماق قلوبهم لتستقر في أعماق قلب كل صادق مخلص . . . فما أحوج كل مؤمن للتتلمذ على هذه الوصايا لتصبح المنظار الذي يرى من خلاله الحياة وأحداثها . . . ولتكون هدى يضيء له طريق الاستقامة والنجاح . . .
ولنتأمل الآن بعض النماذج من تلك الوصايا الرائعة العظيمة : من وصايا الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : جاء في وصيته العظيمة الشاملة لأبي ذر الغفاري ( رضي الله عنه ) : يا أبا ذر : احفظ ما أوصيك به تكن سعيداً في الدنيا والآخرة .
يا أبا ذر : اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك .
يا أبا ذر : إياك والتسويف بأملك ، فإنك بيومك ولست بما بعده ، فإن يك غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم .
يا أبا ذر : كم من مستقبل يوماً لا يستكمله ومنتظر غداً لا يبلغه ، يا أبا ذر : كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك .
يا أبا ذر : من ابتغى العلم ليخدع به الناس ، لم يجد ريح الجنة .
يا أبا ذر : يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون : ما أدخلكم النار ؟ وقد دخلنا الجنة بتأديبكم وتعليمكم !! فيقولون إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله .
يا أبا ذر : المتقون سادة ، والفقهاء قادة ، ومجالستهم الزيادة ، ، إن المؤمن ليرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه ، وإن الكافر يرى ذنبه كأنه ذباب مر على أنفه .
يا أبا ذر : إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً جعل ذنوبه بين عينيه ممثلة ، والإثم عليه ثقيلاً وبيلاً ، وإذا أراد بعبد شراً أنساه ذنوبه .
يا أبا ذر : لا تنظر إلى صغر الخطيئة ، ولكن انظر إلى من عصيته . 1
من وصايا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
في وصية شاملة عهد بها الإمام أمير المؤمنين على ابن أبي طالب ( عليه السلام ) لكميل بن زياد ( رضي الله عنه ) جاءت النقاط التالية :
يا كميل : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أدبه الله وهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أدبني وأنا أؤدب المؤمنين .
يا كميل : ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة .
يا كميل : لا تردن سائلاً ولو من شطر حبة عنب أو شق تمرة ، فإن الصدقة تنمو عند الله .
يا كميل : لا بأس بأن لا يعلم سـرك .
يا كميل : المؤمن مرآة المؤمن لأنه يتأمله ويسد فاقته ويجمل حالته .
يا كميل : إذا وسوس الشيطان في صدرك ، فقل أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي ، وأعوذ بمحمد الرضي من شر ما قدر وقضي ، وأعوذ بإله الناس من شر الجنة والناس ، تكفي مؤنة إبليس والشياطين معه ، ولو أنهم كلهم أبالسة مثله .
يا كميل : إن لهم ( الشياطين ) خدعاً وشقاشق وزخارف ووساوس وخيلاء على كل أحد قدر منزلته في الطاعة والمعصية ، فبحسب ذلك يستولون عليه بالغلبة .
يا كميل : لا عدو أعدى منهم ، ولا ضار أضر بك منهم ، أمنيتهم أن تكون معهم غدا إذا جثوا في العذاب .
يا كميل : إن الأرض مملوءة من فخاخهم فلن ينجو منها إلا من تشبث بنا .
يا كميل : ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق الشأن أن تكون الصلاة بلقب نقي ، وعمل عند الله مرضي ، وخشوع سوي ، وابقاء للجد فيها .1
من وصايا الإمام الحسن ابن علي ( عليه السلام ) :
قال له جنادة ابن أبي أمية في مرضه الذي توفي فيه : عظني يا أبن رسول الله .
قال : نعـم .
اسعتد لسفرك ، وحصل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك ، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه .
واعلم : أن الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيه ، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة ، وإن كان العتاب فالعتاب يسير .
واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .
وإذا أردت عزاً بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل 1 .
من وصايا الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) :
من وصية له ( عليه السلام ) لأحد تلامذته الخواص جابر بن يزيد الجعفي ( رضي الله عنه ) قال فيها :-
أوصيك بخمس : إن ظُلمت فلا تظلم ، وإن خانوك فلا تخن ، وإن كُذبت فلا تغضب ، وإن مُدحت فلا تفرح ، وإن ذُممت فلا تجزع ، وفكر فيما قيل فيك ، فإن عرفت في نفسك ما قيل فيك ، فسقوطك من عين الله جل وعز عند غضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين الناس ، وإن كنت على خلاف ما قيل فيك ، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك .
واعلم بأنك لا تكون لنا ولياً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا : إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك ، ولو قالوا : إنك رجل صالح لم يسرك ذلك ، ولكن أعرض نفسك على كتاب الله ، فإن كنت سالكاً سبيله ، زاهداً في تزهيده ، راغباً في ترغيبه ، خائفاً من تخويفه ، فاثبت وابشر ، فإنه لا يضرك ما قيل فيك ، وإن كنت مبائناً للقرآن فماذا الذي يغرك من نفسك . . .
إن المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها ، فمرة يقيم أودها ( عوجها ) ويخالف هواها في محبة الله ، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها ، فينعشه الله فينتعش ، ويقيل الله عثرته ، فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخافة ، فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف ، وذلك بأن الله يقول :  إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  1
من وصايا الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) :
قضايا مهمة وحقائق خطيرة يطرحها الإمام الصادق ( عليه السلام ) وفي وصيته لأحد خواص أصحابه ( عبدالله بن جندب البجلي الكوفي ) نقتطف منها المقاطع التالية :
يا عبدالله : لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور فما يقصد فيها إلا أولياءنا ، ولقد جلت الآخرة في أعينهم حتى ما يريدون بها بدلاً .
يا ابن جندب : حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه ، فإن رأى حسنة استزاد منها وإن رأى سيئة استغفر منها لئلا يخزى يوم القيامة ، طوبى لعبد لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من نعيم الدنيا وزهرتها . طوبى لعبد طلب الآخرة وسعى لها ، طوبى لمن لم تلهه الأماني الكاذبة . . .
ثم قال ( عليه السلام ) : رحم الله قوماً كانوا سراجاً ومناراً ، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقتهم ، ليس كمن يذيع أسرارنا . . .
يا ابن جندب : إنما المؤمنون الذين يخافون الله ويشفقون أن يسلبوا ما أعطوا من الهدى ، فإذا ذكروا الله ونعماءه وجلوا وأشفقوا وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً مما أظهره من نفاذ قدرته ، وعلى ربهم يتوكلون .
يا ابن جندب :
يهلك المتكل على عمله . ولا ينجو المجترئ على الذنوب ، والواثق برحمة الله . .
قلت : فمن ينجو ؟
قال : الذين هم بين الرجاء والخوف ، كأن قلوبهم في مخلب طائر شوقاً إلى الثواب ، وخوفاً من العذاب .
يا ابن جندب :
من سره أن يزوجه الله الحور العين ، ويتوجه بالنور ، فليدخل على أخيه المؤمن السرور
يا ابن جندب :
أقل النوم بالليل والكلام بالنهار ، فما في الجسد شيء أقل شكراً من العين واللسان ، فإن أم سليمان قالت لسليمان ( عليه السلام ) : يا بني إياك والنوم فإنه يفقرك يوم تحتاج الناس إلى أعمالهم . .
يا ابن جندب :
إن للشياطين مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه ومصائده .
يا ابن جندب :
من أصبح مهموماً لسوى فكاك رقبته فقد هون عليه الجليل ورغب من ربه في الربح الحقير . ومن غش أخاه وحقره وناواه جعل الله النار مأواه ، ومن حسد مؤمناً انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء .
يا ابن جندب :
الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة ، وقاضي حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم ( بدر ) و ( أحد ) وما عذب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم .
يا ابن جندب :
بلغ معاشر شيعتنا وقل لهم : لا تذهبن بكم المذاهب فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الإخوان في الله ، وليس من شيعتنا من يظلم الناس .
يا ابن جندب :
إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى : بالسخاء والبذل للإخوان ، وبأن يصلوا الخمسين ليلاً ونهاراً . .
يا ابن جندب :
كل الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك ، وكل البر مقبول إلا ما كان رئاءً . .
يا ابن جندب :
إن أحببت أن تجاور الجليل في داره وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا ، ولا تدخر شيئاً لغد . واعلم أن لك ما قدمت وعليك ما أخرت . .
صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية ، فإنما يقبض عاريته ويأخذ هبته ليبلو فيها صبرك وشكرك .
وارج الله رجاءً لا يجريك على معصيته وخفه خوفاً لا يؤيسك من رحمته . . .
ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر وتعجب بعملك ، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع . . .
يا ابن جندب :
لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك ، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك ، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك ، فإن الذي تتصدق له سراً يجزيك علانية على رؤوس الأشهاد في اليوم الذي لا يضرك إن لا يطلع الناس على صدقتك . .
يا ابن جندب :
الخير كله أمامك ، وإن الشر كله أمامك ولن ترى الخير والشر إلا بعد الآخرة ، لأن الله جل وعز جعل الخير كله في الجنة والشر كله في النار ، لأنهما الباقيان ، والواجب على من وهب الله له الهدى وأكرمه بالإيمان ، وألهمه رشده وركب فيه عقلاً يتعرف به نعمه ، وأتاه علما وحكماً يدبر به أمر دينه ودنياه ، أن يوجب على نفسه أن يشكر الله ولا يكفره ، وأن يذكر الله ولا ينساه ، وأن يطيع الله ولا يعصيه . . .
أما أنه لو وقعت الواقعة ، وقامت القيامة ، وجاءت الطامة ونصب الجبار الموازين لفصل القضاء وبرز الخلائق ليوم الحساب ، أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة والكرامة ، وبمن تحل الحسرة والندامة فاعمل اليوم الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة . . .
يا ابن جندب :
قال الله جل وعز في بعض ما أوحى :  إنما أقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي ، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي ، ويقطع نهاره بذكري ولا يتعظم على خلقي ، ويطعم الجائع ، ويكسو العاري ، ويرحم المصاب ، ويؤوي الغريب ، فذلك يشرق نوره مثل الشمس ، أجعل له في الظلمة نوراً ، وفي الجهالة حلما ، أكلأه بعزتي وأستحفظه ملائكتي ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنات الفردوس لا يسبق أثمارها ، ولا تتغير عن حالها . . .  1
من وصايا الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) :
ما أروع هذه الوصية التي أدلى بها الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لتلميذه الجليل هشام بن الحكم البغدادي ، إنها تحتوي على درر ثمينة من المعرفة ، وتقدم للإنسان أفضل الرؤى والتوجيهات فلنتتلمذ على بعض المقاطع من هذه الوصية العظيمة :
يا هشام :
لكل شيء دليل ، ودليل العاقل التفكر .
يا هشام :
لو كان في يدك جوزة ، وقال الناس في يدك لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة . ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس : أنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة .
يا هشام :
إن الله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ، وأما الباطنة فالعقول .
يا هشام :
قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود .
يا هشام :
إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرضى بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم . . .
يا هشام :
إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك . . .
يا هشام :
إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ؟ وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض . . .
يا هشام :
إن العقلاء زهدوا في الدنيا ، ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته . . .
يا هشام :
إن الله جل وعز حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا : ) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها .
يا هشام :
لا دين لمن لا مروة له ، ولا مروة لمن لا عقل له ، وإن أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً ، أما أن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها . .
يا هشام :
إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه ، ولا يسأل من يخاف منعه ، ولا يعد ما لا يقدر عليه ولا يرجو ما يعنف برجاءه ، ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه . .
يا هشام :
رحم الله من استحيا من الله حق الحياء ، فحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وذكر الموت والبلى ، وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره ، والنار محفوفة بالشهوات .


يا هشام :
من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة .
يا هشام :
إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه .
يا هشام :
أصلح أيامك ، الذي هو أمامك ، فانظر أي يوم هو وأعد له الجواب ، فإنك موقوف ومسؤول ، وخذ موعظتك من الدهر وأهله ، فإن الدهر طويلة قصيرة ، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك ، واعقل عن الله وانظر في تصرف الدهر وأحواله ، فإن ما هو آت من الدنيا ، كما ولى منها ، فاعتبر بها . . .
وقال علي ابن الحسين ( عليه السلام ) : إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيء الظلال . . .
ثم قال ( عليه السلام ) : ألا حر يدع هذه اللماظة لأهلها – يعني الدنيا – فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها ، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس
يا هشام :
إن كل الناس يبصر النجوم ، ولكن لا يهتدي بها إلا من عرف مجاريها ومنازلها ، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ، ولكن لا يهتدي بها منكم ألا من عمل بها .
يا هشام :
إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها . . .
يا هشام :
بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين ، يطري أخاه إذا شاهده ، ويأكله إذا غاب عنه ، إن أعطي حسده وإن ابتلى خذله . .

يا هشام :
لا يكون الرجل مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً ولا يكون راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو . .
يا هشام :
إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل ، يحذرها الرجال ذووا العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم . .
يا هشام :
اصبر على طاعة الله ، واصبر عن معاصي الله . فإنما الدنيا ساعة فما مضى منها فليس تجد له سروراً ولا حزناً . وما لم يأت منها فليس تعرفه ، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت .
يا هشام :
مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله .
يا هشام :
إياك والكبر ، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر . الكبر رداء الله فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه .
يا هشام :
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا رأيتم المؤمن صموتاً فادنوا منه ، فإنه يلقى الحكمة . والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل . . .
يا هشام :
أوحى الله تعالى إلى داود ( عليه السلام ) : قل لعبادي : لا يجعلوا بيني وبينهم عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتي ، أولئك قطاع الطريق من عبادي ، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي ومناجاتي من قلوبهم . . .
يا هشام :
أوحى الله تعالى إلى داود ( عليه السلام ) : يا داود حذر فأنذر أصحابك عن حب الشهوات ، فإن المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني . . .
يا هشام :
إياك والكبر على أوليائي والاستطالة بعلمك فيمقتك الله ، فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك . وكن في الدنيا كساكن دار وليست له . إنما ينتظر الرحيل . . .
يا هشام :
مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة . ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله . فإذا أشار عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب .
وإذا مر بك أمران لا تدري أيهما خير وأصوب ، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه ، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك . .
يا هشام :
من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ، وما أوتي عبد علما فازداد للدنيا حباً إلا ازداد من الله وازداد الله عليه غضباً . . 1













 الفصل الرابـع












القلب حرم الله














عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله ) 1
هنالك ثلاثة أبعاد في شخصية الإنسان المؤمن تعكس إيمانه بالله عز وجل ، ومدى تدينه ، وتتفاوت هذه الأبعاد في القوة من شخص لآخر .
وهذه الأبعاد هي :
1- البعد العقلي ( العلمي )
2- البعد السلوكي ( العملي )
3- البعد النفسي ( المعنوي )
* ماذا تعني هـذه الأبعاد ؟
- البعد العقلي . . ويعني أن يكون إيمان الإنسان وتدينه قائماً على أساس عقلي وأدلة علمية مستوحاة من القرآن وأحاديث الرسول وآل البيت ( عليهم السلام ) ومن الطبيعة والسنن الكونية ، والتي عبرها يستطيع الرد على المبطلين والملحدين .
- البعد السلوكي . . ويعني الممارسات الدينية والطقوس العبادية التي يمارسها الإنسان المتدين من صلاة وصيام والتزام بالأحكام في مختلف المجالات ، وقد تكون هذه السلوكيات العبادية على أساس علمي كما مضى أو على أساس تقليدي وراثي أو توافق اجتماعي .
- البعد النفسي . . وهذا البعد والذي سوف نتناوله بشيء من التفصيل يحتاج منا إلى تعريف النفس ولو باختصار ، ويقصد بالنفس هنا الدائرة الداخلية في كيان الإنسان والتي تتمركز فيها العواطف والمشاعر والأحاسيس السلبية منها والإيجابية اللذيذ منها والمؤلم .
وعلى هذا فإن هذا البعد يختلف عن البعدين الآخرين وهو أهم منهما لأنه الحصانة لهما ، ذلك أن البعد الأول المستند على أدلة علمية لا يمكنه أن يحصن الإنسان من الانحراف لأن جل الانحرافات التي تصيب الإنسان مصدرها النفس وليس العقل .
كما أن البعد السلوكي للتدين والذي ربما يكون باعثه تقليد الآباء والمحيط الاجتماعي هذا البعد قد ينهار عندما ينتقل الإنسان إلى محيط آخر ، بينما البعد النفسي والذي يعني تفاعل المشاعر والأحاسيس مع وجود الله ، مثل الحب والبغض والخوف والرجاء والرضا والغضب ، والهيام والشوق والمناجاة ، هذه المشاعر هي ركيزة الإيمان والتدين والمناعة ضد الغواية والانحراف والسلاح الذي يشهره الإنسان المؤمن في وجه الشيطان والاغراءات الدنيوية .
* نوعية التدين عند المجتمع
بالرغم من أن أبعاد التدين الثلاثة في شخصية الإنسان المؤمن تتفاوت من حيث القوة والضعف من إنسان لآخر ، فهناك من يبرز البعد العقلي في شخصيته دون البعدين الآخرين ، وآخر يبرز البعد السلوكي دون البعد العقلي والنفسي وهكذا . . غير أن أكثر مجتمعاتنا جل أفرادها المتدينين يبدو في شخصياتهم البعد العقلي ، والسلوكي بينما ينحصر البعد النفسي للتدين في مجموعات وفئات قليلة من المجتمع ، وهذا ما يلاحظ في المناقشات التي تدور في المجالس والخطب التي تلقى من على المنابر والكتابات التي تصدر إنما تدور حول الأدلة العلمية والعقلية لإثبات وجود الله ، وكذلك يبدو الجانب السلوكي بشكل واضح ، بينما يكاد يختفي التفاعل النفسي مع تلك الحقائق الإلهية والسلوكيات العبادية .
إذ يؤمن الإنسان – مثلاً – بوجود أسرار الطبيعة والسنن الكونية إلا أن هذا الإيمان لا يخرج عن الإطار النظري ليدخل في الإطار النفسي كلا ، بل يبقى بعيداً عن التفاعل النفسي ، تماماً مثل ذلك الإنسان يخضع لحكومته نظرياً وسلوكياً غير أنه غير خاضع نفسياً وشعورياً لها
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة في كتابه الكريم حيث قال :  ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى تؤفكون  1
 ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعض موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون  2  ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون  3  وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا  4
إذن المشكلة ليست في الإيمان العقلي بل هي في الإيمان النفسي والخضوع لتلك الحقائق والتفاعل معها حيث أن الأدلة والبراهين التي تثبت وحدانية الله وملكيته وحاكميته لا يمكن لأحد عاقل أن ينكرها ولكن يمكنه أن لا يتفاعل معها ، فلهذا لا عجب أن نرى كثيراً من المسلمين لا ينكرون وجود الله عقلاً ومنطقاً إلا أنهم لا يتفاعلون مع هذا الإيمان العقلي ولا ينعكس على مشاعرهم وتصرفاتهم .
* التفاعـل النفسي مع الدين :
من هنا لا بد من التفاعل النفسي مع الدين وتحكيمه في عواطفنا ومشاعرنا فيكون الله عز وجل حاضراً أمام أعيننا وفي نفوسنا دائماً لكيلا نغفل ونتيه ، إذ أن حضور الدين في مشاعر الحب والخوف والرضا والغضب والرغبة والكره تنمي في شخصية الإنسان المقاومة ، بينما خلو المشاعر من التدين يؤدي إلى سهولة انحراف الإنسان ، وهذا الأمر هو سبب انحراف قطاع واسع من أبناء المجتمع ورفضهم للتضحية في سبيل الله ، فالتضحية إنما تتأتى عبر التفاعل مع الله سبحانه وتعالى والاشتياق لملاقاته كما أن الإغراءات والضغوط التي يواجهها الإنسان أو المجتمع في حياته ليست فكرية عقلية وإنما هي في غالبها نفسية روحية ، فحينما أراد الماركسيون إبعاد الأمة عن دينها بطرح الشبهات الفكرية والنظريات العقلية لم ينجحوا في التأثير إلا على قطاع صغير من الأمة ، ولكن الغربيين الرأسماليين كانوا أكثر نجاحاً لأنهم عملوا على إضعاف التدين في نفوس أبناء الأمة بأساليب الميوعة والانحلال وتشجيع الروح المادية والمصلحية والتوجهات الدنيوية .
ومشكلة التوجيه الديني الموجود في مجتمعاتنا إضافة على قلته ومحدوديته إنه كان وما زال يركز على تعميق التدين في عقلية المجتمع ويطرح الأدلة العقلية والبراهين النقليه على أحقية الإسلام وضرورته ووجود الله وو . . ، وهذا ما يلاحظ بصورة جلية في الكتب والخطابات الإسلامية ، بينما أغفل الجانب المهم في شخصية المجتمع وهو الجانب النفسي وتعميق التدين في روح المجتمع ، مما مكن الاستعمار من غزو بلادنا ، فمع أن الجميع متفق على ضرورة محاربة الاستعمار ومقاومته إلا أننا نقبل كل ما يرد إلينا منه ونتفاعل معه نفسياً وذلك لزوال المانع النفسي والتدين المعنوي في كياننا .
* الروح الدينية للشعب الإيرانـي :
المجتمع الإيراني المسلم يتميز بتدينه النفسي وهذه الميزة هي التي جعلته ينتصر قبل غيره من المجتمعات الإسلامية الأخرى ، وذلك لأن إيمانه النفسي يدفعه للالتفاف حول القيادة الشرعية وللشهادة والتضحية في سبيل الله .
ويعود سبب ذلك إلى الموجهين الدينيين في إيران ، فقد كانوا يركزون على الجانب الروحي ويشوقون الناس لله ويوثقون علاقتهم به وبأهل بيت الرسالة صلوات الله وسلامه عليهم ، إلى درجة أن بعضهم كان الطابع العام لخطاباته تذكير الناس بالله سبحانه وتعالى وبالآخرة . . ومن البارزين في هذا المجال آية الله الشهيد السيد عبدالحسين دستغيب رحمة الله عليه ، حيث كان له مجموعة من الكتب والخطابات حول القيامة والحساب والشفاعة والتقوى والشيطان والبكاء من خشية الله . . . الخ 1
وهذه المجموعة الروحية القيمة منتشرة بين صفوف المجتمع الإيراني ، إضافة إلى هذه المواضيع كان الشهيد يشارك في دعاء كميل ويتفاعل مع الدعاء ويبكي مما يؤثر في نفسية المستمعين ويأخذون بالبكاء معه ، ولذلك لا عجب أن نرى الأدعية أصبحت محبوبة عن الشعب الإيراني ، حيث يتزاحمون رجالاً ونساءً وأطفالاً على مجالس دعاء كميل في ليلة الجمعة مع تقلب الطقس والمناخ سواءً كان الجو صيفاً أو برداً أو حتى ممطراً من أجل الاستماع للدعاء بخشوع وبكاء وتهجد ونحيب بالرغم من أنهم يقرأونه باللغة العربية ، وكذلك هذا الأمر ينسحب على قراءة الزيارات للأئمة عليهم السلام إذ تجدهم في قراءتها متذللين دموعهم ممتزجة بصيحاتهم .
ولا تزال مجالس دعاء كميل ليالي الجمع معلماً من معالم التحول الإسلامي في إيران وكل زائر يأتي إلى إيران ويشارك في هذه المجالس يبدي دهشته وتأثره بذلك الجو الروحي الرائع .
يقول أحد المتأثرين بتلك الأجواء الروحية :
( زرت طهران في فصل الشتاء وكنت سمعت عن الأجواء الروحانية الخاشعة في مجالس دعا ء كميل ليلة الجمعة ، وهو دعاء مناجاة علمه الإمام علي ( عليه السلام ) لكميل بن زياد النخعي رحمه الله ويعقد المسلمون في إيران مجالس لقراءته ليلة الجمعة . . وتأسفت عندما حلت ليلة الجمعة وكان البرد شديداً والثلج غزيراً لأن ذلك سيمنع من انعقاد المجلس ، ولكن قيل لي أن المجلس لا يتعطل والناس يقصدونه في كل الظروف !
اتجهنا إلى مدرسة الشهيد مطهري في وسط طهران فرأينا أن حركة السير تزداد كلما اقتربنا من المكان .
ترجلنا بعيداً عن المدرسة لأنهم أخلوا الساحة والشوارع المحيطة بها من السيارات كانت قراءة الدعاء قد بدأت والناس ملؤوا المدرسة بمسجدها الكبير وساحاتها الواسعة وامتدوا إلى الخارج وجلسوا في الساحة والشوارع يتقون تساقط الثلج بما يتيسر من مظلة أو غطاء للرأس أو معطف ، ويقرؤون الدعاء ! .
هل يصدق الناس في العواصم الباردة أو الألوف أو عشرات الألوف من الطهرانيين يخرجون من بيوتهم في مثل هذا الجو ويجلسون في الشوارع ساعتين تحت الثلج لقراءة الدعاء ؟!
نعم تحت الثلج ، وفوق الثلج أيضاً ، فقد رأيتهم يجلسون على ما تيسر لهم : بساط عادي أو مفرش من السيارة أو معطف يجلس عليه اثنان ويغطيان رأسيهما بالمعطف الآخر ، أو قطعة نايلون أو كارتون . . وبعضهم يجلس القرفصاء . . ! والكل باتجاه القبلة يتابعون فقرات الدعاء مع القارئ ، وتشعر أنهم يحفظونها ويفهمون معناها ، أو يتابعون الموضوعات التي يطرحها القارئ بالفارسية تعقيباً على مفاهيم الدعاء . . أو يأخذ الواحد منهم بالبكاء فينطلق في التضرع إلى ربه عز وجل يطلب منه المغفرة ويطلب حاجاته . . ثم يعود إلى متابعة الدعاء . .
وقفت خلف شاب في حوالي الثلاثين من عمره ، كان جالساً ويرتدي معطفاً يغطي رأسه ، وتحاشيت أن يشعر بوجودي حتى لا أزعجه في دعائه . . ولكنه كان في حالة لا يشعر معها بالثلج المتساقط على رأسه وبعض وجهه ولا يشعر بأحد . . كان منفصلاً عن متابعة الدعاء مع القارئ ويتكلم مع الله تعالى ويبكي حتى ينقطع كلامه . . ثم يعود إلى الكلام . . وأي كلام . . كان يتكلم مع الله تعالى بكل وجوده ويتوجه إليه بكل مشاعره ، وإن الكلمة الواحدة تخرج من صدره وجوداً حياً يحمل من أجزاء روحه وينبض بها ؟
سمعته يقول : خدايا ، أي إلهي ويطلقها نداءً عميقاً حزيناً طويلاً . . وينفجر بعدها بالبكاء . . ثم يمسك بكاءه ويواصل دعاءه . . فهمت منه أنه يقول : إلهي أنت رحيم محب . . وأنا بعيد عنك . . ذنوبي . . ليلة الجمعة . . العفو . . جئت إليك . . أريد منك التوفيق . . النجاة من النار . . الشهادة . .
وفي داخل مسجد المدرسة كان المشهد أعظم وأكثر تأثيراً . . فعندما يصل القارئ إلى مقاطع يرددها الحاضرون معه مثل : يارب يارب يارب ، أو يارب ارحم ضعف بدني ، عن النار . . يتجاوب الدوي والدموع إلى عنان ، السماء . . وعندما يطلب القارئ عنهم طلباً من الله تعالى فيرفعون أيديهم وأصواتهم بقولهم ( إلهي آمين ) تشعر بعبودية المسلمين الضارعة الراغبة . . . 1
والواقع أن هذه الأجواء الروحية هي مخزون الثورة الإسلامية وعامل الانتصار القوي ، وهو نفسه الذي يدفعهم إلى التضحية والجهاد والنفير إلى الجبهات إذ تجد الواحد منهم يصاب في الجبهة بجراح بليغة ويوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يهتف بالله وبأسماء أولياء الله على ماذا يدل هذا ؟ أو ليس على التفاعل النفسي العميق مع الإيمان ؟
وذات العامل هو الذي مكن الثورة الإسلامية من البقاء رغم المؤامرات والاغتيالات والتفجيرات والإعلام المضاد والحرب ، ذلك أن الشعب يعيش الآخرة ويتفاعل مع إيمانه ولم يكن سبب هذا الصمود في الواقع ارتفاع مستوى الوعي والعلم والمعرفة فقد لا يكون مستوى وعي الشعب الإيراني ومعرفته أرفع من بقية المجتمعات الإسلامية ولكن لا ريب أن مستوى تدينه وصل إلى مستوى رفيع جداً .
وموسم الحج فرصة مناسبة لكي يشاهد المسلمون الوافدون من مختلف أقطار العالم الإسلامي مظاهر هذه الروحية الدينية للشعب الإيراني حيث يقيمون مجالس دعاء كميل ليالي الجمع عند البقيع في المدينة المنورة وفي المسجد الحرام بمكة المشرفة .
إذن إذا أردنا أن نزرع روح التضحية في نفوس شعوبنا وندفعهم للجهاد والعمل في سبيل الله فلا يكفي أن نعطيهم فكراً وعلماً وثقافة وإنما يجب أن نزرع في نفوسهم روح التدين ونمزج نفوسهم بحب الله سبحانه وتعالى لأن هذا هو الذي يضمن الالتزام بالدين ويدفع الإنسان إلى التضحية من أجله وهو المسلك إلى الثورة والانتصار .
* توثيـق العلاقـة بالله :
ولكي نوثق علاقتنا النفسية بالله سبحانه وتعالى لا بد من إسكان حب الله في قلوبنا دون سواه بأن نجعل له حضوراً دائماً في نفوسنا وفي مخيلتنا ونتشوق للقائه لأن المحب يشتاق ويوله لحبيبه ، ولتقريب الفكرة نضرب مثلاً .
لا ريب أنك عندما تفارق أهلك أو أصدقائك الأعزاء دون سابق عادة سوف تتذكرهم دائماً وتتصور المشاهد اللطيفة بينك وبينهم وتتخيل أشكالهم في ناظريك ويكون لهم حضور دائم في نفسك وشعورك ، وكذلك الأب الذي يترك أولاده لمدة طويلة بعيدين عنه أو الشخص الذي يترك بلاده لفترة مديدة من الزمن يتشوق ويحن لها أليس كذلك ؟
فكما هو حاصل في الحياة العادية مع من نحب كذلك يجب أن تكون علاقتنا بالله سبحانه وتعالى وبدرجة أعلى .
بل نجعلها في صدارة شؤوننا لأنه ربنا والمنعم علينا وهو الذي يثيبنا ويجازينا وما الأشياء التي نحبها في الدنيا إلا جزء بسيط من نعمه التي لا تعد ولا تحصى .
يقول تعالى :  والذين آمنوا أشد حباً لله 1 ويقول أيضا :  فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا  2
* دلائـل محبـة الله :
إن حب الله ليس شيئاً خفياً وإنما له ظواهر وحقائق وانعكاسات على جوارح الإنسان وبها يعرف الإنسان هل هو محب أو لا ؟ هل يحب الله أم يحب غيره ؟ فما هي هذه الدلالات التي نعرف بها أننا نحب الله دون سواه ؟
1- استقرار حب الله :
في قلب الإنسان دون غيره وإبعاد جميع الميول والإنشدادات الدنيوية عن قلبه وإعطاء القيمة العليا لرضا الله سبحانه وتعالى ، وقد صرح القرآن الكريم بذلك وقال :  قل أن آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين  3
وفي الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( لا يمحض رجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحب إليه من نفسه وأبيه وأمه وولده وأهله ومن الناس كلهم ) 4
إذن عندما نجد أن أحد تلك الأمور الدنيوية مسيطرة على نفوسنا بشكل يزاحم الشوق لرضا الله فلا بد أن نشك في حبنا لله لأن ( دليل الحب ، إيثار المحبوب على من سواه ) 5
كما قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وعنه أيضا ( القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله ) 1
وعن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مشيراً إلى ضرورة حب الله قال : ( أحبوا الله من كل قلوبكم ) 2
كما أشار الرسول ( صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ) إلى أن حب الله وحب الدنيا لا يجتمعان في قلب واحد أبداً فعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( حب الدنيا وحب الله لا يجتمعان في قلب أبداً ) 3
وعن الإمام علي ( عليه السلام ) قال : ( كيف يدعي حب الله من سكن قلبه حب الدنيا )4
وعنه أيضا ( عليه السلام ) : ( كما أن الشمس والليل لا يجتمعان كذلك حب الله وحب الدنيا لا يجتمعان )
وعنه أيضا ( عليه السلام ) : ( إن كنتم تحبون الله فأخرجوا من قلوبكم حب الدنيا )
وفي دعاء للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( اللهم إني أسألك أن تملأ قلبي حباً لك )5
وفي دعاء للرسول ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي . . ) 6
وعنه أيضا : ( اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك ، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد )7
2- مناجاة الله وذكره بخضوع :
فمن يحب شخصاً فإنه دائماً يذكره ويتذكر الأيام التي قضاها معه ، وإذا ما كان ذلك الإنسان شديد المساعدة له فإنه يتذكره أيضا في المشاكل والملمات والحاجات ، كذلك من يحب الله سبحانه وتعالى فإنه لا بد أن يكون ذاكراً له دائماً ومعدداً عليه ومناجياً له حين الأزمات والعقبات والنكبات مسبحاً له ومقدساً وممجداً ومكبراً ولائذاً به دون سواه لأن الأسباب بيده والخلائق عباده . لذلك ترى شغله الشاغل هو ذكر الله .
وفي الحديث عن الإمام علي ( عليه السلام ) : ( من أحب شيئاً لهج بذكره ) 1
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( فيما أوحى الله تعالى إلى موسى ( عليه السلام ) كذب من زعم أنه يحبني فإذا جنه الليل نام عني ، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ؟ ! ، ها أنا ذا يابن عمران مطلع على أحبائي ، إذا جنهم الليل حولت أبصارهم من قلوبهم ، ومثلت عقوبتي بين أعينهم ، يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور ، يابن عمران هب لي من قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع ومن عينك الدموع في ظلم الليل وادعني فإنك تجدني قريباً مجيباً ) 2
وعن الإمام الصادق أيضا : ( حب الله إذا أضاء على سر عبد أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى الله عنده ظلمة والمحب أخلص سراً لله وأصدقهم قولاً وأوفاهم عهداً وأزكاهم عملاً ، وأصفاهم ذكراً واعبدهم نفساً تتباهى الملائكة عند مناجاته وتفتخر برؤيته ، وبه يعمر الله تعالى بلاده ، وبكرامته يكرم عباده ، يعطيهم إذا سألوا بحقه ويدفع عنهم البلايا ، برحمته فلو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه )3
وعن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ( علامة حب الله تعالى حب ذكر الله ، وعلامة بغض الله تعالى بغض ذكر الله عز وجل ) 4
وعن الإمام علي ( عليه السلام ) : ( القلب المحب لله يحب كثيراً النصب لله ، والقلب اللاهي عن الله يحب الراحة ، فلا تظن يابن آدم ! أنك تدرك رفعة البر بغير مشقة فإن الحق ثقيل مر . . . ) 5
وفي دعاء كميل فقرات تعلم الإنسان كيف يطلب من ربه أن يوصله إلى قمة الخشوع والتبتل . . ( واجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة ) ، ( واجعل لساني بذكرك لهجا وقلبي بحبك متيما )
3- الانقياد لأوامـر الله :
إن الإنسان المحب لله سبحانه وتعالى والقريب منه لا يمكن أن يعصيه أو يخالف أحكامه ، وإنما ينقاد لأوامره انقياد العارف بقدر الله سبحانه وتعالى .
وفيما أوصى الله تعالى إلى داود ( عليه السلام ) : ( يا داود من أحب حبيباً صدق قوله ومن رضي بحبيب رضي فعله ، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه ومن اشتاق إلى حبيب جد في السير إليه )1 ، وفي الحديث ( ومن آنس بحبيب قبل قوله ورضي فعله ) 2
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : ( ما أحب الله عز وجل من عصاه ثم تمثل فقال ) :
تعصـي الإلـه وأنت تظهر حبـه
لو كان حبـك صادقـاً لأطعتـه
هـذا محال في الفعـال بديع
إن المحب لمن يحب مـطيع

4- الشوق لله والتضحية في سبيله :-
كما أن الإنسان المحب لآخر لابد وأن يشتاق للقائه والاجتماع به ويستعد لذلك اللقاء ويعمل قصارى جهده من أجل إنجاح ذلك اللقاء ولو كلفه الكثير من المصروفات والعناء ، كذلك من يحب الله فإنه يشتاق لله ويرغب في ملاقاته ، ولذلك تجده يعد للآخرة ويزرع لما بعد الحياة ليلقى الله سعيداً ولذلك أيضاً هو يشتاق إلى لقاء الله ولا يخاف من الموت .
إن أحد الأولياء يوصي أصدقاءه بأن يهنئوه عند موته لقدومه على الله سبحانه فيقول :
إذا ما صـار فرشـي من تراب
فهنـئوني أصحـابي وقولـوا
وبـت مجاور الرب الرحـيم
لك البشـرى قدمت على كريم

وفي الدعاء للإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( سيدي أنا من حبك جائع لا أشبع ، أنا من حبك ظمآن لا أروى ، واشوقاه إلى من يراني ولا أراه . . . ) 3
وفيما أوصى إلى داود ( عليه السلام ) : ( يا داود : ذكري للذاكرين وجنتي للمطيعين وحبي للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين )1
وفي الدعاء للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( اللهم إني أسألك أن تملأ قلبي حباً وخشيةً منك وتصديقاً لك وإيماناً وفرقاً منك ، وشوقاً إليك ) 2
وفي الدعاء أيضاً للرسول (صلى الله عليه وآله ) : ( اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك ) 3
إن الإنسان المؤمن الذي يحب الله قد يلاقي أذىً كثيراً في جنب الله ويكابد المشاق والمعاناة ولكنه مع ذلك يشعر أن ذلك الأذى له لذة كبيرة جداً تنسيه التعب أكثر لذة من ذلك الأب الذي يعمل من أجل أن يصرف على عياله ويرتاح لذلك .
والتاريخ ينقل لنا نماذج فذة أحبت الله فامتلكها الشوق للقائه واستقبلت الآلام والأخطار بسرور وارتياح في سبيل الله ، فهذا عمار بن ياسر (رضوان الله عليه ) في يوم صفين وهو يخوض غمرات الحرب كان يخاطب الله سبحانه وتعالى قائلاً : ( اللهم إنك تعلم أني لو اعلم رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا النهر لفعلت ، اللهم أنت تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت ، اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملاً صالحاً هذا اليوم هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك منه لفعلته )5
وآخر في معركة كربلاء وهو عابس بن أبي شبيب الشاكري قبل أن يلج المعركة كان يقول للإمام الحسين ( عليه السلام ) : ( يا أبا عبدالله أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز علي ولا أحب إلي منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلته ، السلام عليك يا أبا عبدالله ، أشهد الله أني على هديك وهدي أبيك ) .
ثم مشى بالسيف مصلتاً نحوهم – نحو الأعداء – وبه ضربة على جبينه قال أبو مخنف : حدثني نمير بن وعلة عن رجل من بني عبد من همدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم ، قال لما رأيته مقبلاً عرفته ، وقد شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس ، فقلت : أيها الناس هذا أسد الأسود ، هذا أبي أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم ، فأخذ ينادي ألا رجل لرجل ! قال عمر بن سعد ارضخوه بالحجارة قال : فرمي بالحجارة من كل جانب فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ، ثم شد على الناس ، فوالله لرأيته يكر على أكثر من مائتين من الناس ، ثم أنهم انعطفوا عليه من كل جانب فقتل ) 1
وثالث في معركة بدر الكبرى وهو معاذ بن عمرو بن الجموح كان يبارز أبا جهل وعندما ضربه ضربة أطاح بها رجله من الساق أخذت ابنه عكرمة الحمية فضرب معاذ على عاتقه فطرح يده من العاتق وبقيت معلقة بجلده فذهب يسحبها بتلك الجلدة ولما آذته وضع عليها رجله ثم تمطى عليها فقطعها . وواصل القتال ، فهل كان ذلك يؤلمه ؟ كلا إنه كان يتلذذ بهذا الأذى بحبه لله .
وهذا الإمام العظيم الحسين ( عليه السلام ) الذي يتجسد فيه حب الله بكل أبعاده قد قدم في يوم عاشوراء كل أهله وأصحابه في سبيل الله ، بل وقدم أعز ابن له وهو علي الأكبر الذي كان يحبه حباً جماً إلا أن حب الله كان هو الأكثر على شخصيته ، وحتى طفله الصغير قدمه قرباناً في سبيل الله ، فحينما أصابه سهم مشؤوم من قبل الأعداء وهو على صدره تلقى الحسين دم وليده بيده ورمى به نحو السماء وهو يقول : " هون علي ما نزل بي أنه بعينك التي لا تنام " .
وهو القائل في آخر لحظة من حياته وهو على رمضاء كربلاء والدماء تنزف من جسمه الشريف :
إلهي تركت الخلق طـراً في هواك
فلو قطعتني في الحب إرباً
وأيتمـت العيال لكي أراك
لما مال الفؤاد إلى سـواك


5- بغض الكافرين والمفسدين :
ومن دلائل حب الإنسان لربه أنه يبغض من يبغضه الله سبحانه وتعالى ، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): ( طلبت حب الله عز وجل فوجدته في بغض أهل المعاصي ) 1
وعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( . . . اعلم رحمك الله أنا لا ننال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس ولا ولايته إلا بمعاداتهم . . ) 2
وقال تعالى في كتابه الكريم : ( لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم وأبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات تجري من تحتاها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) 3
6- مسـاعدة المؤمنين :
الإنسان الذي يحب الله سبحانه وتعالى فإنه يحب عباده المؤمنين ، فكما أننا في حياتنا الاجتماعية نكرم أبناء وأقرباء أصدقائنا وأعزتنا فكذلك يجب أن نكرم المؤمنين من عباد الله إكراما لله وتقديراً للإيمان به .
وقد وردت أحاديث كثيرة توضح أهمية مساعدة الفقراء والمحتاجين من المؤمنين وقد اعتبر الله الإنسان المعين للعباد من أفضل عباده وأحبهم وأقربهم إليه ، فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( ألا إن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه ، ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين ) 4
 بين الحب والخـوف . .
وهناك فرق شاسع بين حب الله والخوف منه ، بين أن يحب الإنسان ربه سبحانه وتعالى لذاته ولصفاته ولأهليته ، وبين من يعبد الله خوفاً من ناره أو طمعاً في جنته .
وقد صنف الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) العباد على أنواع ثلاثة فقال :
( إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة )1
وروى أن عيسى ( عليه السلام ): ( مر بثلاثة قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم فقال لهم ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار فقال حق على الله أن يؤمن الخائف ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة أخرى ، فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ فقالوا : الشوق إلى الجنة ، فقال حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة أخرى ، فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً ، كأن على وجوههم المرايا من النور ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : حب الله عز وجل فقال أنتم المقربون ) 2
عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : لو لم يخوف الله الناس بجنة ونار لكان الواجب عليهم أن يطيعوه ولا يعصوه لتفضله عليهم وإحسانه إليهم ، وما بدأهم به من إنعامه الذي ما استحقوه )3
والإمام علي ( عليه السلام ) يقول مخاطباً ربه عز وجل : ( وعزتك وجلالك ما عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) 3
إذن هناك فرق كما أوضحته الأحاديث والروايات بين الحب وبين الخوف والطمع ، إذ ينطلق الحب من العلاقة القوية والمتينة والمعرفة الثاقبة بالله سبحانه وتعالى بغض النظر عن الجنة والنار فيصبح الخضوع لله سبحانه والالتزام بأوامره هواية ولذة وليس واجباً وتكليفاً فحينما تستضيف حبيباً عزيزاً على قلبك فإنك تبذل كل جهد ممكن لخدمته وضيافته دون إحساس بالتعب أو الانزعاج بل ترتاح نفسياً بذلك وتشكره لأنه أتاح لك فرصة خدمته أليس كذلك ؟ وهكذا أحباءُ الله يلتذون بخدمته ويبحثون عن فرص طاعته ولا يشعرون بالملل والتعب من طول العبادة ونصبها وفي هذه المرتبة حتى لو ضمن المحب لله الجنة وتأكد من نجاته من النار فإنه لن يتوقف أو يخفف من عبادته لربه ، فرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حينما سئل عن سبب كثرة عبادته مع أن الله قد غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه ؟
قال : أولا أكون عبداً شكوراً ؟ . . وقديما قال الشاعر :
وإذا حـلت الهـدايـة قلبـاً
نشـطت للعبـادة الأعضــاء

إن خضوعهم لأوامر الله ليس كخضوع المواطن لقانون الحكومة خوفاً من بطشها بل كخضوع العاشق لحبيبه بدافع المحبة والشوق وفي الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( الحب أفضل من الخوف ) 1
ومما جاء في صحيفة إدريس : ( طوبى لقوم عبدوني حباً واتخذوني إلها ورباً وسهروا الليل ، وأدوا النهار طلباً لوجهي ، من غير رهبة ولا رغبة ولا لنار ولا جنة بل للمحبة الصحيحة والإرادة الصريحة والانقطاع عن الكل لي ) 2
 هل تريد أن يحبك الله ؟
قد يسأل شخص ، كيف أعرف أن الله يحبني ؟ والجواب أن الله لن يحبك إلا إذا أخلصت حبك له وهاك ستة أحاديث إن طبقتها أحبك الله . .
(1) " فيما أوحى الله تعالى إلى داود " يا داود ! أبلغ أهل أرضي أني حبيب من أحبني وجليس من جالسني ومونس لمن آنس بذكري وصاحب لمن صاحبني ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني وما احبني أحد اعلم ذلك يقيناً من قلبه إلا قبلته لنفسي ، وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي وآنسوني أؤنسكم وأسارع إلى محبتكم " 3
(2) وعن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : " الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله ، وأدخل على أهل بيت سروراً "1
(3) وعن الإمام علي ( عليه السلام ) : " إن من أحب عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه " 2
(4) وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : " إذا تخلى المؤمن عن الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القوم حلاوة حب الله فلم يشتغلوا بغيره " 3
(5) وسأل رجل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " أحب أن أكون من أحباء الله ورسوله ؟ قال : أحب الله ورسوله وأبغض ما بغض الله ورسوله " 4
(6) وعن الرسول ( صلى الله عليه وآله ): " وجبت محبة الله على من أغضب فحلم "5
 كيـف تتحبب إلى الله تعالى :
والآن كيف يتحبب الإنسان لربه ؟ وما هي الأساليب والممارسات التي تدخله في حظيرة حب الله ؟
بالإضافة إلى ما سبق نؤكد على الأمرين التاليين :
1- الدعــاء . .
فهو المعراج إلى حب الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه ، ذلك أن الدعاء من أحب الأعمال إلى الله ، فعن الإمام علي ( عليه السلام ) : " أحب الأعمال إلى الله عز وجل في الأرض الدعاء " 6
ولا بد أن نقرأ الأدعية التي تحببنا إلى الله وتذكرنا بنعم الله ورحمته ونتدبر فيها ، ونشير في هذا المضمار إلى الصحيفة السجاديه التي هي بحق وسيلة عظيمة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، ففي مناجاة الخائفين يقول الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) :
" إلهي أتراك بعد الإيمان بك تعذبني أم بعد حبي إياك تبعدني أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني أم مع استجارتي لعفوك تسلمني حاشا لوجهك الكريم أن تخيبني . . " ثم يقول " إلهي لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك " .
وفي مناجاة المريدين يقول :
" وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون وبابك على الدوام يطرقون وإياك في الليل والنهار يعبدون وهم من هيبتك مشفقون الذين صفيت لهم المشارب وبلغتهم الرغائب وأنجحت لهم المطالب وقضيت لهم من فضلك المآرب وملأت لهم ضمائرهم من حبك ورويتهم من صافي شربك فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا ومنك أقصى مقاصدهم حصلوا " .
وفي مناجاة العارفين يقول :
" إلهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهك ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك ، إلهي فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم فهم إلى أوكار الأفكار يأوون وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون وشرايع المصافات يردون قد كشف الغطاء عن أبصارهم وانجلت ظلمة الريب عن عقائدهم وضمائرهم وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم وانشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم وعلت لسبق السعادة في الزهادة هممهم وعذب في معين المعاملة شربهم وطاب في مجالس الأنس سرهم وأمن في مواطن المخافة سربهم واطمأنت بالرجوع إلى رب الأرباب أنفسهم وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم وقرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم واستقر بإدراك السؤل ونيل المأمول قرارهم وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم ، إلهي ما ألذ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب . . .
وفي مناجاة الزاهدين يقول :
" واغرس في أفئدتنا أشجار محبتك وأتمم لنا أنوار معرفتك وأذقنا حلاوة عفوك ولذة مغفرتك . . "
وكم هو رائع دعاء الافتتاح إنه قطعة فريدة من الثناء والمدح تكرس في نفس الإنسان حب الله والشوق إليه تستحق أن تكتب بماء الذهب .
" فلم أرَ مولى كريماً أصبر على عبد لئيم منك علي يارب إنك تدعوني فأولي عنك وتتحبب إلي فأتبغض إليك وتتودد إلي فلا أقبل منك كأن لي التطول عليك ثم لم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي والتفضل علي بجودك وكرمك . . "
فعلينا أن نقرأ الأدعية المروية عن المعصومين ( عليهم السلام ) ونناجي الله سبحانه وتعالى بها ونتأمل فقرات الأدعية ونتدبر فيها ونعايشها فإنها تراث عظيم علمنا به أئمتنا ( عليهم السلام ) اللغة التي يجب أن نتفاهم بها مع الله ، لأن الإنسان يعجز أن يدعو ربه كما يليق بالرب العظيم ، وأقرب مثال لذلك تعالى الله عن الأمثال عندما تريد أن تذهب إلى شخصية مهمة قبل أن تذهب تسأل الآخرين عن كيفية التحدث وماذا تقول له ؟ وكثير من الناس كما تعلمون عندما يريد أن يكتب رسالة إلى حاكم أو سلطان فإنه يكتبها بعد تمعن وتفكير أو يسعين بمن يعرف كيفية كتابة الرسائل الرسمية حيث أنها تحتاج إلى ألفاظ مهذبة وموزونة وكلام مضبوط ، والأئمة ( عليهم السلام ) يعلموننا كيفية التخاطب مع الله ومناجاة الرب سبحانه وتعالى ، فلنتدبر فيها ، فإنها تكرس في نفوسنا حب الله وتقديره .
2- النوافل وقيام الليل :
أواخر الليل وقرب الفجر من ألذ أوقات النوم والراحة ، فحتى الذين يسهرون أوائل الليل لا يستطيعون مقاومة النوم أواخره ، أما النائم فعمق نومه وذروته يكون في هذه الفترة . .
ولا يغادر الإنسان فراش نومه ويتخلى عن راحته في هذا الوقت إلا لأمر لازم ومهم كالأم تهب لإرضاع طفلها ورعايته مقاومة إغراء الراحة وجاذبية النوم ويعتبر ذلك من المظاهر المهمة لعطف الأمومة والتضحية من أجل الولد . . أو حينما يحدث شيء طارئ للإنسان يضطره للسهر في ذلك الوقت . .
ولكن الإنسان المؤمن يقوم من طوعه واختياره تاركاً نومه وراحته ليس استثناءً وفي بعض الليالي وإنما هو برنامجه الليلي الثابت . . فحين يغط الناس في سبات عميق ويلف الظلام الحياة والأشياء ويسيطر الهدوء والسكون على الأجواء وقبل أن تبدأ معركة خيوط نور الفجر مع ظلمة الليل يكون المؤمن على موعد مع الله للخلوة به ومناجاته . .
إنه لقاء إلهي خاص لا يحظى به إلا المحبون لله الصادقون في حبهم . . وهل يكون صادقاً في حبه من يرفض اللقاء والخلوة بحبيبه . . يقول الله تعالى في حديث قدسي أوحاه إلى نبيه موسى بن عمران ( عليه السلام ) : " يا ابن عمران ! لو رأيت الذين يصلون لي في الدجى ، وقد مثلت نفسي بين أعينهم ، وهم يخاطبونني – وقد جلبت عن المشاهدة – ويكلمونني – وقد تعززت عن الحضور - .
يا ابن عمران ! كذب من زعم : أنه يحبني ، فإذا جنه الليل نام عني ، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ؟ 1
ولصلاة الليل وقيام السحر فضل كبير وشأن عظيم تتحدث عنه الآيات والروايات وهذه لقطات منها :
- قال تعالى :  إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا  2
فقد يكون سهلاً على الإنسان في غمرة نشاطه اليومي أداء عدة ركعات ولكن أن يفارق فراش نومه في أعز أوقات الراحة والنوم ليؤدي صلاة الليل إنها أشد وطأ على النفس وهي بذلك أصدق مظهر للإيمان .
- ومن أبرز صفات المتقين التي استحقوا بها نعيم الجنة إحياء الليل بالعبادة ومناجاة الله في السحر يقول تعالى :
) إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون والأسحار هم يستغفرون ( 3
- وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " خير وقت دعوتم الله فيه الأسحار " 1
- وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : " ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق على أمتي لفرضتهما عليهم " 2
- وقال ( صلى الله عليه وآله ) : " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى وتكفير للذنوب ومطردة للداء عن الجسد ومنهاة عن الإثم " 3
فالله الغفور الرحيم ينظر إلى عبده قائماً بين يديه في جنح الظلام يسأله العفو عن ذنبه ألا يغفر له ؟ بلى إن قيام الليل تكفير للذنوب وخلافاً لما يظنه الإنسان من إصابة جسمه بالتعب والعناء لقيام الليل فإن الحديث الشريف يعتبره سبباً للصحة وإزالة المرض " مطردة للداء عن الجسد " ومن يغسل قلبه بالتوبة كل ليلة بين يدي الله ويحاسب نفسه على ما عمل هل يقترب نحو الآثام والذنوب ؟ كلا إن قيام الليل منهاة عن الإثم .
- وفي وصيته ( صلى الله عليه وآله ) لأبي ذر الغفاري (رضوان الله عليه) قال : " وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور " 4
إن من يعمر ظلام الليل بعبادة الله ويشق سكونه الموحش بمناجاة الله فإن الله الكريم سيكافئه بإنارة قبره ورفع الوحشة عنه هناك . . فهل فكرنا في ظلمة قبورنا ووحشتها ؟ وهل نسعى لإضاءة الشموع في لحودنا ؟ ولتوفير أجواء المسرة والأنس فيها ؟ إن كل ركعة نصليها في جوف الليل في حياتنا نوقد بها شمعة نور في قبورنا . . وإن كل مناجاة تخشع بها قلوبنا في عتمة السحر ستصبح منبع راحة وهناء لنا تحت طبقات الأرض بعد الموت . .
- ولمحبة الله لعبده المؤمن ورغبته في لقائه فإنه يوجه له العتاب الشديد إن تغيب ليلة عن حضور اللقاء . . كما يعاتب الواحد منا صديقه العزيز عليه إن تأخر عن إجابة دعوته . . فقد روي أن نبي الله يحيى بن زكريا ( عليه السلام ) شبع ليلة من خبز شعير فنام عن ورده حتى أصبح فأوحى الله إليه : يا يحيى أوجدت داراً خيراً لك من داري ؟ أوجدت جواراً خيراً لك من جواري ؟
فوعزتي يا يحيى لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعه لذاب شحمك ولزهقت نفسك اشتياقاً ، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لذاب شحمك ولبكيت الصديد بعد الدموع ولبست الحديد بعد المسوح " 1
- ولا يكتفي المؤمن بقيامه هو وحده بل يشجع عائلته على قيام الليل ليشركهم في برنامجه الروحي ، وليربيهم على العبادة والخضوع يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات " 2
- وإذا كان مقياس الوجاهة والشرف في دنيا المادة القدرة المالية للإنسان وقربه من مواقع السلطة والحكم فإن مستوى شرف المؤمن ووجاهته عند الله مدى تبتله لله في جوف الليل فقد قال جبرئيل ( عليه السلام ) في موعظته لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " شرف المؤمن صلاته بالليل " 3
- روى فضيل بن يسار عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : " إن البيوت التي يصلي فيها بالليل بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم المساء لأهل الأرض " 4
ما أعظم كرم الله وأجل لطفه إنه يدعونا لعبادته ثم يوفقنا لأداء تلك العبادة ثم يجعل لتلك العبادة التي دعانا لها ووفقنا بمنه إليها قيمة وفضلاً عظيماً فسبحان الرب الكريم . .
أما لماذا يكون لقيام الليل هذا الفضل العظيم والعطاء الكبير فيمكننا استنتاج النقاط التالية :
أولاً : إن قيام الليل يوفر للإنسان أفضل فرصة لمحاسبة ذاته ولمراجعة أعماله ولاتخاذ القرارات الصائبة .
ثانيا : هدوء الليل وسكونه يساعد الإنسان على الخشوع والتوجه الخالص لله دون أن تستقطب اهتماماته المشاغل الأخرى .
ثالثاً : إنه انتصار لإرادة الإنسان على شهواته التي تدعوه إلى الراحة والكسل وتدريب للنفس على الاستجابة لأوامر الله مهما كانت الظروف .
ولكن كيف يتوفق الإنسان للحصول على هذا الفضل والشرف وما هي العوامل التي تساعد الإنسان لكي ينال هذا الوسام العظيم ؟
1- التوجه الإلهي : حينما تسيطر المادة على نفس الإنسان وتفكيره ويهيم بمكاسبها ولذاتها فإن ذلك سيكون على حساب الجانب المعنوي والروحي مما يضعف اندفاع الإنسان نحو العبادات أما إذا كان قلبه مطمئنا بذكر الله ونفسه متوجهة إلى عظمته فإن العبادة وقيام الليل سيكون جزءاً لا يتجزأ من برنامج حياته بل تصبح أعز برامج حياته لديه .
فالمؤمنون الذين اطمأنت قلوبهم بذكر الله وانشرحت لأنوار قدسه يجدون في العبادة وقيام الليل لذة لا تعدلها لذة ومتعة تتضاءل دونها كل شهوات الدنيا ومتعها .
قال أحدهم : إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي .
وقال آخر : أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا .
وقال بعض العلماء : لذة المناجاة ليس من الدنيا ، إنما هو من الجنة أظهرها الله لأوليائه لا يجدها سواهم .
فلنتوجه إلى الله ولنعمر قلوبنا بحبه وعشقه والشوق إلى رضوانه ولنهتف دائماً وأبداً بالفقرات الواردة في أواخر دعاء كميل :
" واجعل لساني بذكرك لهجا ، وقلبي بحبك متيما "
2- معرفة فضل صلاة الليل وقيامه من خلال الآيات والروايات وكلمات الأولياء وسيرة الصالحين . . ففي قضايانا المادية نحن ندرك أثر الدعاية والتشجيع في إيجاد الرغبة نحو الأمور والأشياء وكذلك في القضايا الروحية المعنوية على الإنسان أن يرغب نفسه بالاطلاع الدائم على الأحاديث والنصوص التي تذكر فضل الأعمال الروحية والعبادات الإلهية . . ويجب الاستفادة من مختلف الوسائل لتشويق الناس إلى العبادة . .
3- خفة المعدة : فإذا تناول الإنسان طعاماً كثيراً أو ثقيلاً فإن سيطرة النوم عليه ستكون أكثر . . أما إذا نام خفيف المعدة فسيستطيع النهوض واليقظة بسهولة . . قال أحد العباد لتلامذته : " لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتخسروا عند الموت كثيراً " .
4- قراءة حياة الأولياء ومواقف تهجدهم في جوف الليل لتشجع الإنسان على الاقتداء بهم وتقليدهم في عبادتهم ومناجاتهم ولنذكر موقفاً واحداً من المواقف التي سجلتها لنا ذاكرة التاريخ لعبادة أحد الأولياء الطاهرين وهو الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) :
يقول طاووس الفقيه : " رأيت علي بن الحسين يطوف بالكعبة من العشاء إلى السحر ويتعبد ، فلما لم ير أحدا رمق السماء بطرفه وقال : " إلهي غارت نجوم سماواتك ، وهجعت عيون أنادمك ، وأبوابك مفتحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمد ( صلى الله عليه وآله ) في عرصات القيامة .
ثم بكى وقال :
" وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك ، ولا بنكالك جاهل ، ولا بعقوبتك متعرض ، ولكن سولت لي نفسي ، وأعانني على ذلك سترك المرخي به علي ، فالآن من غذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني ؟ فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك ، إذا قيل للمخفين جوزوا ، وللمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز ؟ أم مع المثقلين أحط ؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربي ؟!
ثم بكى وانشأ يقول :
اتحـرقني بالنار يا غـايـة المنى
أتيت بأعمـال قبـاح زرية
فأين رجائي ثم أين محبتي
وما في الورى خلق جنى كجنايتي


سبحانك تعصى كأنك لا ترى ، وتحلم كأنك لم تعص ، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم ، وأنت يا سيدي الغني عنهم . ثم خر إلى الأرض ساجدا .
قال طاووس : فدنوت منه وشلت برأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده ، فاستوى جالساً وقال :
من الذي شغلني عن ذكر ربي ؟
فقلت : أنا طاووس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع ؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون ، أبوك الحسين بن علي ، وأمك فاطمة الزهراء وجدك رسول الله ؟!!
فالتفت إلي وقال : هيهات هيهات يا طاووس دع عني حديث أبي وأمي وجدي ، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ، ولو كان عبداً حبشياً ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشياً أما سمعت قوله تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون  والله لا ينفعك غداً إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح .1
 ماذا نجني من حب الله ؟
إذا توثقت عرى المحبة بين العبد وربه فاز العبد بسعادة الدنيا والآخرة ، فقلبه يصبح نقياً وروحه صافية وطاهرة وتفكيره صائباً وأعماله موفقة وإرادته قوية هذا في الدنيا أما في الآخرة فلا يمكن وصف ما يناله من خير وسعادة . . ونكتفي بالحديثين التاليين لمعرفة محبة الله سبحانه وتعالى .
فعن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ما تحبب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وإنه يتحبب إلي بالنافلة حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، إذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته " 2
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " إن أولى الألباب الذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حب الله فإن حب الله إذا ورثه القلب واستضاء به أسرع إليه اللطف ، فإذا نزل اللطف صار من أهل الفوائد ، فإذا صار من أهل الفوائد تكلم بالحكمة وإذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة " 1
 الذين يحبهم الله سبحانه
هناك صفات معينة للأشخاص الذين يحبهم الله سبحانه وتعالى ويجلهم ، وقد عددها القرآن الكريم ، نذكرها إتماما للفائدة ومعرفة لتلك الصفات من أجل أن نتحلى بها ونتقمصها في شخصياتنا .
فما عسى أن تكون هذه الصفات ؟
قال تعالى :
 إن الله يحب المحسنين  2
) إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ( 3
) فإن الله يحب المتقين ( 4
) والله يحب الصابرين ( 5
) إن الله يحب المتوكلين ( 6
) إن الله يحب المقسطين ( 7
) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ( 8

 الذين لا يحبهم الله سبحانه
كما أن هناك صفات سيئة يحرم الإنسان بسببها من حب الله تعالى عدد القرآن الكريم منها :
) إن الله لا يحب المعتدين ( 1
) والله لا يحب كل كفار أثيم ( 2
) والله لا يحب الظالمين ( 3
) إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ( 4
) إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ( 5
) والله لا يحب المفسدين ( 6
) أنه لا يحب المسرفين ( 7
) إن الله لا يحب الخائنين ( 8
) أنه لا يحب المستكبرين ( 9
) إن الله لا يحب الفرحين ( 10

 تشجيع الناس على حب الله
من أجل أن يطبق الناس التعاليم الإلهية وينقادون إلى توجيهات الله سبحانه وتعالى ويضحون من أجله فلا بد أن نحبب الله لهم ونغرس حبه في أفئدتهم حتى ينطلقوا بزخم عظيم إلى العمل والجهاد وبرغبة وشوق ، وقد وردت أحاديث كثيرة تحثنا على تحبيب الناس إلى الله سبحانه وتعالى وتشجيعهم ودفعهم نحو الاقتراب منه سبحانه .
فعن الإمام الرضا عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أوحى الله عز وجل إلى نجيه موسى : أحببني وحببني إلى خلقي ! قال : يا رب هذا احبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال أذكر لهم نعماي عليهم وبلاي عندهم ، فإنهم لا يذكرون أو لا يعرفون منى إلا كل الخير " 1
وعن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : أوحى الله تعالى إلى موسى ( عليه السلام ) : أحببني وحببني إلى خلقي قال موسى : يا رب إنك لتعلم أنه ليس أحد أحب إلي منك فكيف لي بقلوب العباد ؟ فأوحى الله إليه فذكرهم نعمتي وآلائي فإنهم لا يذكرون منى إلا خيراً " 2
وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : قال الله عز وجل لداود ( عليه السلام ) : أحببني وحببني إلى خلقي ! قال رب نعم أنا أحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : أذكر أيادي عندهم فإنك إذا ذكرت ذلك لهم أحبوني " 3
لا بد من تذكير الناس بنعم الله التي ينسونها في غمرة تمتعهم بها وهذه رسالة يجب أن يقوم بها كل محب لله سبحانه وتعالى ، لا يكفي أن نتحدث في خطاباتنا وكتاباتنا عن الجانب العقلي والنظري للدين وأحقيته ، وليس فقط نتحدث للناس عن القضايا السياسية والأحداث اليومية بل نتحدث لهم أيضا عما يحبب الله لهم ونعرفهم واجباتهم تجاه باريهم ومصورهم وعن مصيرهم وآخرتهم .










 الفصل الخامس











الغرائز ودورها في الحياة






تتركز في أعماق كل إنسان مجموعة من الدوافع أو الغرائز الفطرية التي تصاحبه منذ ولادته وبعضها يتبلور كلما ترعرع وتفاعل مع البيئة الاجتماعية .
والغرائز جمع غريزة وهي اسم مشتق من الغرز كغرز المسمار في الجدار أما معناها الاصطلاحي فعلى الرغم من اختلاف علماء النفس في تحديد عدد الغرائز إلا أنهم متفقون على أن الغريزة قوة كامنة في الكائن الحي تدفعه إلى أنواع مختلفة من السلوك ، والغرائز هي المحركات الأولى لكل سلوك 1 . إذن هي القوة الراسخة في النفس والمتلاحمة فيها بقوة بحيث لا يمكن أن نتصور إنسانا بدون غرائز .
وقد حدد العلامة المدرسي في كتابه المنطق الإسلامي مراحل الغريزة بثلاث مراحل : مرحلة الحاجة البيولوجية ، فمرحلة الإحساس الحيوي ، ثم مرحلة الضغط على النفس ويقول ونستطيع أن نسمي المرحلة الأولى بالغريزة والثانية بالشهوة ، والثالثة بالهوى .
ويقول في موضع آخر أن النصوص الإسلامية تؤيد ارتباط الغرائز بالبنية الترابية للإنسان بذات القوة التي أيدتها النصوص العلمية . 2
والواقع أن كل غريزة من هذه الغرائز الفطرية التي تعبر عن حاجات معينة للإنسان تقوم بدور إيجابي في حياته ، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق غريزة أو عضواً في الإنسان إلا لهدف ، بيد أن ما نلاحظه من انحرافات عند الكثير من بني البشر مرده ليس الغرائز وإنما الإرادة التي تحدد مسار الغرائز إضافة إلى العقل الذي أوتي القدرة على تعديل الميول فقد يسخر الإنسان عقله وذكاءه لظروف معينة من التربية وأجواء الفساد والضلال والتنافس السلبي والعقائد الخاطئة إلى إشباع غرائزه بشكل سيئ فيؤثر على الحالة النفسية بالنسبة له وعلى الأمن الاجتماعي بالنسبة للمجتمع ، فالغرائز لا يمكنها أن تؤدي إلى انحراف إلا إذا ضعفت الإرادة وتعطل عمل الضمير والوجدان وفشل العقل في التحكم والسيطرة على السلوك .


* طـرق التعامل مع الغرائـز :
وقد أثيرت حول هذه الغرائز موجات من الجدل حيث انقسم الناس حولها إلى مذاهب كل مذهب له نظرته الخاصة تجاه الغرائز وبناءاً على هذه النظرة فقد اتخذ أسلوبا يختلف عن غيره في التعامل معها ، نحاول هنا أن نستطلع هذه المذاهب .
المذهب الأول : التنكر للغرائز وكبتها . .
يرى أصحاب هذا المذهب واتباعهم أن الغرائز شر يجب التخلص منه إذا ما أردنا للحياة الإنسانية أن تسعد وتتكامل وذلك باتباع مختلف الأساليب التي تعمل على قمعها وكبتها حتى لا ينجر الإنسان إلى سلوك الحيوانات وحتى يرتفع إلى مصاف الملائكة وهذا يتطلب إتعاب الجسد بالعبادة والتنسك والعزوف عن ملذات الدنيا ، فهم يقولون أن هناك علاقة بين الجسم والروح وهذه العلاقة علاقة تنافي وتضاد فكلما عذبت الجسم أسعدت الروح ، وكلما نعمت الجسم أشقيت الروح ، وهذا المذهب ذهب إليه قسم كبير من المسيحيين كرد فعل على انتشار الجرائم والمشاكل ، بسبب الخواء الروحي ، وتقديس الغرائز ، وإفساح المجال لها في العالم الغربي ، كما أن قسماً من المسلمين آمنوا بهذا المذهب ، وحاولوا أن يكبتوا غرائزهم ويعيشوا زهاداً عباداً في الحياة ، ليس لهم أي دخل بما يجري في الحياة " وقد كان أكثر الفلاسفة وعلماء الأخلاق قبل فرويد ينبذون الغرائز ، أي أنهم كانوا يصرحون أحياناً ويلمحون أحياناً أخرى بأنها عوامل تجر الإنسان إلى الخصائص الحيوانية وكانوا يؤكدون على أن التمدن الصحيح لا يمكن أن يتحقق في المجتمع إلا بالصراع العنيف مع تلك الغرائز التي كانوا يعتبرونها ( أرواحاً حيوانية ) وبعبارة أخرى فإن هؤلاء المفكرين ، كانوا يقولون بأن هذه الغرائز تمنع البشرية من التكامل ، ولو كان يمكن أن تفقد من المجتمع بالمرة كان من السهل إيجاد حياة اجتماعية متكافئة ومتزنة " 1



المذهب الثاني : إطلاق العنان للغرائز
ويرى أصحاب هذا المذهب ضرورة فتح الباب على مصراعيه للغرائز حتى يشبع الإنسان حاجاته ولا يصاب بأمراض وعقد نفسية بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا أن الإنسان خلق من أجل إشباع شهواته وغرائزه ، فهو هدفه في الحياة أمثال فرويد وسارتر وماكدوجال ، ويرى ماكدوجال : " أن الكائنات الحية مدفوعة لتحقيق أغراض مرسومة سواء شعرت بها أم لم تشعر ، ولهذا السبب زودتها الطبيعة بعدد من الدوافع الكامنة أو القوى الموجهة ، هي الغرائز لأجل أن تحقق هذه الأغراض وتسمى نظرية ماكدوجال بالنظرية الغرضية " 1
ويرى فرويد أن جذر الغرائز هي الغريزة الجنسية وعلى الإنسان أن يشبعها بأي طريقه كانت فيقول : " أنه لا يفوتني الإدراك بأن الحب هو مركز الحياة ، وعليه فإن الناس يعللون كل فرح ونجاح بالحب والمحبوبية وهذا الوضع النفسي موجود عند الجميع ، إن من المظاهر التي يظهر فيها الحب وهو الحب الجنسي الذي يكسبنا حالة من الانجذاب والشعور باللذة . وفي النتيجة فإن هذه اللذة تكون قدوة ودليلا لميلنا نحو السعادة ، فأي شيء إذن أقوم من أن نسلك الطريق إلى السعادة في نفس الطريق الذي صادفناه أول مرة " 2
أما سارتر فيرى أن غريزة حب الذات هي الغريزة الأساسية التي تتفرع منها بقية الغرائز ومن حق الإنسان أن يشبعها بالطريقة التي يراها وليس من حق أحد أن يمنعه .
وهكذا نرى الحرية في العالم الغربي تفسح المجال لكل إنسان ليشبع غرائز حب التملك والسيطرة والشهوة الجنسية وغيرها كيفما شاء وكيفما اتفق .
* المذهبـان خاطئـان :
والواقع أن كلا المذهبين خاطئان وقد جاء كل واحد منهما كردة فعل للآخر وليس من دراسة معمقة لواقع الإنسان وكيانه .
فخطأ مذهب الكبت للغرائز يكمن في :
أن الغرائز الموجودة في كيان الإنسان وجوداً أصيلاً منذ الحلقة إنما أوجدها الله لحكمة وهدف وليس عبثاً وجزافاً ، فإذا كنا نعتقد بحكمة الله فلماذا نحاول أن نلغي هذه الغرائز من كياننا وكأنها شر أو شيء غير مرغوب فيه يجب إزالته فالله رحيم بعباده لا يمكن أن يزرع الشر في ذواتهم . إن للغرائز أهدافاً سامية أولها حفظ الذات وحفظ النسل وتسيير عجلة الحياة , وإذا اصرينا على ضرورة كبت الغرائز فنحن حينئذ سنكون مثل ذلك العابد الذي فكر في أن استعمال عينيه في النظر إلى الدنيا نوع من الإسراف فأخذ له شيئاً من الطين ووضعه على إحدى عينيه وصار ينظر إلى الدنيا وإلى الأشياء بعين واحدة وحينما استفسر منه أخوه مستنكراً عليه فعلته .
أجاب العابد : أعلم يا أخي أني زاهد في الدنيا وقد رأيت أن النظر إلى الدنيا وقضاياها بعينين نوع من الإسراف فأغلقت إحداهما وتركت الأخرى ! فرد عليه أخوه قائلاً :
منذ متى وضعت هذا الطين على عينيك ؟
فأجاب العابد : منذ بعضة أشهر .
فقال أخوه : إذا كنت مؤمنا فيجب أن تعتقد بحكمة الله فالله حكيم ويعلم أنك تحتاج إلى عينين وإلا فبإمكانه أن يخلقك أعور . ثم أنك تصلي والصلاة من شرائطها غسل الوجه وحينما وضعت الطين فالماء لم يصل إلى جزء من بشرة وجهك ووضوئك هذا يكون باطلاً وصلاتك يجب أن تعيدها !!
فنحن إذا تعاملنا مع الغرائز معاملة التنكر لها وعدم الاعتراف بها يعني أننا تنكرنا لحكمة الله من وراء إيجادها وخسرنا فوائد هذه الغرائز .
وثانياً : أن الغرائز ما هي إلا تعبير عن حاجات طبيعية وفطرية في الإنسان لا يمكن كبتها مهما حاول الإنسان وادعى وإذا ما حاول أن يخنقها أو يكبتها وهو في الواقع يكبت بعضها وليس جميعها فإنه يصاب بعقد نفسية مختلفة تدمر حياته . . والإسلام الذي جاء لإسعاد البشرية كان له موقف حازم من أولئك الذين يحاولون أن يكبتوا غرائزهم وقد نقل لنا التاريخ قصة ثلاثة أشخاص حاولوا أن يسيروا على هذا المنوال فمنعهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقد جاء ثلاثة رهط بيوت الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فسألوا عن عبادته ، فلما اخبروا كأنهم تطاولوها : فقالوا : " وأين نحن من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " . أما أحدهم فقال : " أني أقوم الليل كله " وأما الثاني فقال : " أصوم الدهر ولا أفطر " وأما الثالث فقال : " لا أتزوج النساء " فلما حضر الرسول ( صلوات الله عليه وآله ) وأخبر بما قالوا ، جمع المسلمين في المسجد وخطب فيهم فقال :
" ما بال أقوام كذا وكذا والله أني لأقربهم إلى الله وأخشاهم له ولكني أصوم وأصلي وأرقد وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني " 1
وقد جاء في كتب الأحاديث أن امرأة سألت أبا جعفر الباقر ( عليه السلام ) :
فقالت : أصلحك الله أني متبتلة
فقال لها : وما التبتل عندك ؟
قالت : لا أريد التزويج أبداً .
قال : ولم ؟
قالت : ألتمس في ذلك الفضل .
فقال : انصرفي فلو كان في ذلك فضل كانت فاطمة ( عليها السلام ) أحق به منك ، إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل " 2
ويقول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) " لا رهبانية في الإسلام " ومن هذه الأحاديث والروايات وأمثالها نستشف حقيقة ظاهرة وهي أن كبت الغرائز مخالف للشرع ومتعارض مع الصحة والسلوك السوي .
وعلى الرغم من أن الغرائز تعتبر من المحفزات الأساسية لتطور البشرية وبعث النشاط والحيوية في نفوس الشعوب إلا أن مثلها كما يعبر عنه أحد العلماء كالنهر الجاري العاتي الذي يمكن أن يدمر المدن والقرى والأرياف حينما يتجاوز القنوات التي تعمل على تصريفه بالشكل المفيد . فكما النهر الذي يعتبر عاملاً رئيسياً لسعادة الشعوب القائمة على ضفافه حينما لا يتجاوز حده كذلك الغرائز تمد الإنسان بطاقة كبيرة حينما يتم الاستفادة منها بالشكل المعقول والسليم .
أما إطلاق العنان للغرائز فهو يدعو الإنسان للإفراط وهذا الإفراط لا يقتصر ضرره على الشخص وحده بل يؤثر على مجتمعه فالإفراط في الطعام والشراب مثلا يؤدي إلى أمراض جسدية ونفسية لذلك يقول الله تعالى :
 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  1 وكذلك الإفراط في الغريزة الجنسية وغريزة التملك وحب الذات والزعامة . . كلها حالات تدمر كيان الفرد والمجتمع على السواء حينما لا توضع رقابة عليها تحذو بها نحو الاتزان والاعتدال وتوجيهها في قنواتها الصحيحة . . وهذا ما حدث فعلا في المجتمعات الغربية حينما أطلق العنان لشهوات الإنسان وغرائزه حيث تحولت الحياة هناك إلى جحيم من المآسي والمشاكل وفقدت الحياة قيمتها وهدفها .
ومن أجل أن نعرف فداحة ما حدث في الغرب جراء إطلاق العنان للشهوات دون قيود وضوابط نستعرض الحقائق التالية :
- ارتفاع معدلات الجريمة في بريطانيا :
كشفت إحصائية أصدرتها " الاسكتلندرياد " البريطانية عن ارتفاع كبير في نسبة الجرائم في بريطانيا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1990م عما كانت عليه في عام 1989م ، فقد زادت جرائم الاغتصاب بمعدل 24% أي نحو خمسة آلاف جريمة عن عام 1989م في وقت ارتفعت نسبة الجرائم الأخرى مثل العنف والسرقات والسطو بمعدل 10% وأوضحت الشرطة بأنه منذ مطلع العام الحالي 1990م ولغاية نهاية مارس من العام نفسه شهدت العاصمة لندن وحدها ( 770 ) ألف و ( 500 ) من أنواع الجرائم .
وأذاعت وزارة الداخلية البريطانية في أحدث تقاريرها عن معدلات الجريمة في الربع الأول من العام الحالي 1990م أبرز ما وصفته بأكبر زيادة سجلتها ملفات الشرطة عن وقوع الجرائم في مقاطعة لندن الكبرى وقد بلغت الزيادة نسبة 15% وبمعدل وقوع 75 جريمة في الدقيقة الواحدة ، وبمجموع مليون جريمة خلال الأشهر الثلاثة من العام 1990م وقد سجلت ملفات الشرطة في بريطانيا في الربع الأول من العام 1990م وقوع ( 1.081.000 ) مليون جريمة تحتل فيها جرائم السرقة والسطو المسلح على الممتلكات العقارية نسبة 94% فيما شكلت جرائم النشل والاغتصاب والاعتداء على الأفراد 5% .
وأبرزت احدث إحصائية أذيعت في لندن مؤخرا أن أكثر من ربع عدد المواليد في بريطانيا غير شرعيين ، وإن انخفاض هيكل الحياة التقليدي برز من خلال أرقام نشرها مكتب الإحصاء الحكومي .
- الجرائم والفساد الاجتماعي في أمريكا :
تحاول جهات عديدة في أمريكا حل لغز انتحار المراهقين والمراهقات والذي يصل إلى خمسة آلاف ينتحرون سنوياً ، وقد زادت نسبة الوفيات بين سن الخامسة عشر والرابعة والعشرين والسبب هو الانتحار الذي وصل بنسبة 136% كما أن 90% من المراهقين الذين يحاولون الانتحار من الإناث .
أما عن الخيانة الزوجية فقد قال ثلاثة أزواج أمريكيين من بين كل أربعة أزواج شملهم البحث بشأن مواقفهم تجاه الزواج أنهم متأكدون من أن زوجاتهم غير فارغات لهم على الإطلاق ولكن نحو 35% من النساء الذين تم استطلاع آرائهن فقلن أنهن خدعن أزواجهن بالفعل .
وأظهرت الدراسة التي تنشر في كل شهر يونيو في مجلة " ايسكوايرا " أيضاً أن 50% من الرجال الذين شملهم الاستطلاع قالوا : أن لهم علاقات مع نساء غير زوجاتهم في حين قالت 65% من السيدات أنهن مقتنعات بأن ليس لأزواجهن علاقة مع أحد غيرهن .
وأظهرت إحصاءات أمريكية في واشنطن أن جرائم القتل في الولايات المتحدة الأمريكية تؤيدي إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية بالمقارنة مع الدول الأخرى تأتي في الدرجة الأولى بمعدل 21.9 جريمة لكل 100 ألف نسمة ، وإن معظم الدول الأخرى يتراوح فيها معدل جرائم القتل ما بين ثلاثة لكل 100 آلف نسمة .
وذكرت الأنباء أن عدد حوادث القتل في العاصمة الأمريكية ( واشنطن ) قد وصل إلى رقم قياسي جديد بزيادة عدد الأشخاص الذين لقوا مصرعهم في الأحد عشر شهراً الأولى من العام 1990م عن عددهم طوال سنة ( 1989م ) كلها وقد وصلت إلى 436 قتيلاً .
وتوصف واشنطن التي يعيش فيها 617 ألف نسمة بأنها عاصمة القتل لأن نسبة حوادث القتل بالنسبة لعدد السكان هي أعلى نسبة عن أي مدينة أخرى أمريكية .
أما نيويورك فقد أصبحت مدينة الألفي جريمة سنويا 1 .
- المذهب الثالث : تنظيم وضبط الغرائز . .
وهذا المذهب يرفض كلا المذهبين ، وهو المذهب الإسلامي الذي يرى أن الغرائز ليست شياطيناً يجب أن تكسر رؤوسها وليست إلهة يصح أن تعبد وتلبى لها كل رغباتها وإنما يعتبر الغرائز هي نعمة من نعم الله على الإنسان ينبغي أن يعي الطريقة المثلى في التعامل معها حتى يستفيد منها في تطوير ذاته وكيانه وبناء حضارته ولكنها قد تتحول إلى وحش كاسر يدمر كل من يقف أمامه إذا ما أسيء التعامل معها أو يتحول الإنسان حينما يقمعها إلى كيان آخر مآله الفناء والاندحار .
وقد أعطى الإسلام تشريعات واضحة للتعامل مع الغرائز من منطلق الاعتراف بها فالله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان وأوجده على هذه البسيطة ويعلم ما يدور في كل خلية من خلايا جسمه المليونية ، هو ذاته الذي أرسل رسالة الإسلام وجعلها تتناسب تناسباً أصيلاً مع كيانه ، وحينما خلق في الإنسان الغرائز أراد للإنسان أن يستفيد منها ويستغلها في العمل الخير .






غريزة حب الذات


إن غريزة حب الذات والتي هي مجال حديثنا غريزة متجذرة في نفس الإنسان لا يمكن إنكارها أو التنكر لها بل ربما تكون هي أصلاً وأمناً لبقية الغرائز الأخرى رغم أن النظرية الماركسية تتنكر لها .
* التعامل مع غريزة حب الذات
إذن تجاه غريزة حب الذات كيف يجب أن يكون موقفنا ؟ هل نطالب الإنسان أن يتنكر لها ويفكر في مجتمعه فقط ، أم يطلق العنان لها ؟
لقد أودع الله هذه الغريزة في الإنسان وعن طريق هذه الغريزة يحمي الإنسان نفسه ويخاف على حياته ، فإذا لم يحب نفسه فلن يحب الخير لذاته ولن يدفع الشر عن نفسه ، وإذا أفرط في حب ذاته فإنه يضر نفسه ومجتمعه فيستعمر الآخرين ويستثمر جهودهم ويعتدي على ممتلكاتهم وحقوقهم ، هذا شيء طبيعي حتى قال الشاعر :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ج ذا عفـة فلعلـة لا يظلـم

فلأن الإنسان عنده غريزة حب الذات فإنه يتحين الفرص ليأخذ من الآخرين لذاته .
فليس من المعقول أن نفتح المجال ونطلق العنان للإنسان حتى يمارس هذه الغريزة كيفما يشاء .
إذن ما هو الطريق ؟
الطريق الصحيح ما اختاره الإسلام للبشرية ، انظروا إلى الحل الرائع الذي يقدمه الإسلام لهذه المشكلة المستعصية في حياة الإنسان ، الإسلام يقول يجب أن نطور مفهوم حب الذات عند الإنسان ، بعبارة أخرى : الإسلام يرشد الإنسان إلى الطريقة الصحيحة لحب ذاته وخدمة نفسه . كيف ؟
الإنسان لديه نظرة : أنه يمتلك فرصة واحدة في الحياة الدنيا ولا يوجد فرصة سواها ، كل واحد يعيش فترة في هذه الحياة ثم تنتهي مدته وينتهي كل شيء .
حينما تتمكن هذه الفكرة من الإنسان ويتصور أن حياته فقط في الدنيا ، فإنه يبني حساباته على هذا الأساس ، فما دامت الفرصة الوحيدة أمامي هذه الدنيا ، وأنا أحب ذاتي ، وفي الدنيا شهوات ولذات ، ومتع وأهواء ومصالح ، فالنتيجة الحاصلة هي أن أمتع نفسي ، وأوفر لها كل ما تحتاج من الشهوات واللذات ولو كانت على حساب الآخرين . .
ولذا فالإسلام يوجه الإنسان ويقول له : انتبه إن هذه الفكرة هي مكمن خطأك ومصدر شقائك ، من قال لك أنك تعيش سنوات ويأتي الموت ويسدل الستار على مسرحية الحياة ؟
هل الله يوجد هذه الحياة من أجل أن يعيش الإنسان سنوات ثم يمضي وكأنه لم يكن شيء ؟
 أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون  1
الإسلام يخاطب الإنسان ويقول : أيها الإنسان وجودك في هذه الحياة ما هو إلا وجود مؤقت ، ما هو إلا مرور سريع في هذه الدنيا ، أمامك حياة أخرى وما دمت تحب نفسك فيجب أن تخدمها في الدارين ، في هذه الدنيا تعيش خمسين أو ستين أو سبعين سنة ولكنك في الآخرة ستعيش دار الخلود ملايين السنين ، فإذا كنت تحب نفسك هل من العقل في شيء أن تسعد مائة سنة وتشقى مليون سنة ؟ ؟
وإذا كنت في الدنيا تريد أن ترتاح وتأكل وتشرب وتمارس الغريزة الجنسية وتمتلك ، أفلا تريد مثل هذه الأمور في الآخرة ؟ فإذا كنت تريدها فلماذا لا تعمل من أجلها ؟ وهذا يستدعي من الإنسان أن يؤطر غرائزه بالأطر التي أمر بها الإسلام ، وتصب في القنوات التي سمح بها الإسلام ، فالغريزة الجنسية يجب أن يكون مصرفها الزواج المشروع وحب التملك يجب أن يحدث عن طريق الكسب الحلال والمشروع . . على أن لا تكدس تلك الأموال والأملاك دون أن تفيد منها المجتمع . .
هذا المفهوم من حب الذات مفهوم شامل يوسع مدارك الإنسان ويسير به نحو التقدم والتخلص من الأخطار والمشاكل والتوازن بين الحياتين مصداقاً للدعاء الوارد في القرآن الكريم
) ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( 1
فأنت في هذه الدنيا لا تقبل لنفسك أن تأكل القاذورات ، لكنك حينما تسرف في هذه الغرائز وتشبع رغباتك الشهوانية بالحرام ، فإنك في الواقع تمهد الطريق لنفسك لأكل القاذورات التي هي أقذر مما في الدنيا أنها قاذورات الآخرة التي يصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بقوله :
) ليس لهم طعام ألا من ضريع ( 2
) فليس له اليوم ههنا حميم ، ولا طعام إلا من غسلين ( 3
) إن لدينا أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً ( 4
) كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم ( 5
) هذا فليذوقوه حميم وغسـاق ( 6
والغساق هي فضلات أهل النار التي تخرج من أجسامهم تعاد لهم ثانية فيأكلونها ، فهل يرتاح الإنسان لأكل مثل هذه القاذورات ؟ !
فلماذا إذن يجري البعض كجري النهر الغاضب وراء الشهوات والملذات دون أن يتطلع إلى الآخرة ويكون له مستقبلاً سعيداً هناك إن مثل هؤلاء يخاطبهم القرآن الكريم ويقول :
) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ( 7
ومن ناحية ثانية فإن الإسلام يوجه نظر الإنسان إلى نوعية اللذات التي يكسبها الإنسان في هذه الحياة ، فهناك لذات مادية وأخرى معنوية ، واللذات المعنوية لا تقل إسعادا للإنسان حينما يمارسها عن اللذات المادية بل قد تفوقها حينما يفهم الإنسان الممارسة للملذات المعنوية فقد فطر الله الإنسان وخلق فيه استعدادات وميول للذات المادية الجسمية والمعنوية .
فعلى سبيل المثال خدمة الوطن حينما يخدم الفرد وطنه فإنه لا يستحصل من ذلك لذة مادية وإنما لذة معنوية لأنه قد يضحي بماله وبأهله وبنفسه في سبيل حماية وطنه وتقدمه فهل هذه لذة مادية أن يقتل الشخص في سبيل حماية وطنه ؟ كلا .
ولأن الإسلام ينسجم مع فطرة الإنسان وقائم على المعرفة الكاملة بطبيعة الإنسان فقد وجه الإنسان إلى لذاته المعنوية وأطر نظرته للذات المادية لكي لا ينساق الإنسان مع القسم الآخر من طبيعته المادية ويترك الطبيعة المعنوية التي هي أيضاً جزء رئيسي من كيانه إذا فقده فقد إنسانيته وأصبح كسائر المخلوقات الحيوانية .
من هنا فالإسلام يحث المؤمن على التضحية والعطاء وخدمة الآخرين وعلى الجهاد والإيثار .
والإنسان حينما يمارس هذه الأعمال التي تشكل عطاءً من ذاته وليس أخذاً لذاته وهو عارف بقيمتها فإنه يشعر بلذة عميقة تغمر كيانه إلى الأعماق ، أين منها لذات أصحاب الشهوات والأهواء .
كمثال على ذلك لو أن شخصاً في يوم من الأيام ذهب إلى عمله وحصل على 1000 دينار من تجارته لا ريب أنه سوف يفرح كثيراً وفي المقابل لو أن مؤمناً أنفق في سبيل الله 1000 ديناراً بشرط أن يكون عارفاً بقيمة ما ينفقه فلا ريب أن لذته سوف تكون أعمق من لذة الإنسان الأول .
والإسلام حينما يحث على الإيثار لا يقصد جلب الألم في نفس المؤثر بل جلب الراحة خصوصاً حينما يرى أولئك الذين انفق أمواله عليهم يعيشون في سعادة فإنه يرتاح إلى هذه السعادة بشكل كبير ، ويلفتنا القرآن الكريم إلى صفة من صفات المؤمنين المخلصين ويقول :
) ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( 1
فعلى الرغم من حاجة المؤمن في بعض الأحيان إلا أنه يتنازل عن هذه الحاجة في سبيل إغناء الآخرين المحتاجين ، كيف يرضى الإنسان بنفسه أن يترك حاجته ويتوجه إلى سد حاجات الآخرين ؟ لا يفعل ذلك إلا من أيقن بدور هذا العطاء فلأنه يحب ذاته حباً حقيقياً أعطى الآخرين مما عنده وأثرهم على نفسه لأنه يعتقد أن هذا الإيثار ينفعه يوم القيامة يقول الله سبحانه وتعالى :
) من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ( 2
إن ذلك الشخص الذي يعطي طعامه للآخرين وهو جائع لم يخسر أبداً وإنما ربح ، فهو يشبه إلى حد بعيد التاجر الذي يضع رأس ماله في مشروع ليستلم أرباحه فيما بعد .
وأهل البيت ( عليهم السلام ) خير قدوة لنا في الإيثار ففيهم نزل قوله تعالى في سورة الدهر :
) ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً * أنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ( 3
" وعن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا ، فعادهما رسول الله في ناس معه ، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ، إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا ، وما معهم شيء ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير ، فطحنت فاطمة صاعاً ، واختبزت خمسة أقراص على عددهم ، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة ، فآثروه ، وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء ، وأصبحوا صياماً ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم ، وقف عليهم يتيم فآثروه ، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك .
فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ، قال : ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها ، قد التصق بطنها بظهرها ، وغارت عيناها ، فساءه ذلك ، فنزل جبرائيل وقال : خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك ، فأقراه السورة " 1
هذا هو المفهوم الصحيح لحب الذات ، فالإنسان الذي يحب ذاته يجب أن يعرف أنه بالعطاء يحب ذاته ويخدمها ويوفر لها سعادة هانئة في المستقبل جربوا أيها الأخوة اللذة المعنوية ، لذة العطاء أن تأكل أو أن تعطي ، قد يبدو للواحد منا أنه عندما يأكل يلتذ أكثر لكنه لو جرب أن يعطي لاكتشف أن عطاءه يوفر له لذة أكثر .
إن الإنسان يخطئ في حبه لذاته حينما يدرك الفهم الإسلامي الصحيح لحب الذات ، فهو يريد أن ينفع نفسه فيضرها ، يريد أن يحب ذاته فيؤذيها .
الأنانية مرض خطير يصيب الإنسان فهي تعني حب الذات بطريقة معكوسة هل رأيت حب الذات بطريقة معكوسة ؟
نعم إن من يحصر إسعاد الذات بالملذات الدنيوية المادية وينسى اللذات المعنوية فهو يضر ذاته ولا ينفعها ، وعنهم قال الله تعالى :
) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً (2









 الفصل السادس












داء الأنانية















الأنانية مرض أخلاقي يصيب الإنسان حينما يطلق العنان لغريزة حب الذات لتوجه شخصيته علاقته بالآخرين فهذه الغريزة عمياء كبقية الغرائز الأخرى ليس لها مركز سيطرة وإنما يتم السيطرة عليها وضبطها بالعقل وقوة الإرادة ، وخطر هذه الغريزة قد يفوق خطر كل غريزة لأنها تستخدم بقية الغرائز لأشباع نفسها فتتفجر غريزة الجنس وغريزة السيطرة وغريزة الغضب . . وعلاجها قد يؤدي إلى الحد من طغيان الكثير من الغرائز الأخرى في الإنسان ذلك أن التطرف في حب الذات الذي يسمى بالأنانية أو عبادة الهوى والذات هو في الواقع مرض مسبب لأمراض أخرى ، ومن هنا تكمن أهمية معالجة هذا المرض الخطير على الإنسان وعلى المجتمع .
* مراتب الأنانيـة :
إن الأنانية لها مراتب ثـلاث
المرتبة الأولى :
التمحـور حـول الذات . .
إن التمحور حول الذات يعني أمرين :
الأول: أن يعيش الإنسان لذاته فحسب ، فيوظف كل طاقاته وإمكاناته وجهوده لصالح ذاته ، وتحقيق الرفاهية لحياته الخاصة ، ويرفض أن يصرف ولو جزءاً صغيراً من طاقاته لخدمة الآخرين ، أو القيم والمبادئ ، لذلك فهو يتابع الأخبار التي تصب في أساليب الترفيه ، وتسهيل الحياة ، وزيادة المكاسب والمصالح ، وبغض الطرف عن الأخبار التي تتعلق بالمجتمع أو الأمة ، طالما لا توفر له أي ميزات ، لذلك حينما يسمع عن مآسي مجتمعه أو أمته ، يسمعها ككلمات جوفاء ، لا روح فيها ولا يجد نفسه مسؤولا عن بذل أدنى جهد ، أو دفع أقل مبلغ ، لتوفير الحياة لشخص يتضور جوعاً ، أو عذاباً ، في سجون الطغاة ، أو يبني مؤسسة خيرية تعمل على تثقيف المجتمع ، فضلاً عن الدخول في سوح الجهاد .
أن يعيش الإنسان لذاته يعني أن يوفر لها أكبر قدر ممكن من اللذات والشهوات والمصالح ، فيعيش في دائرة مغلقة ( دائرة الأنا ) يعمل ليعيش ويعيش ليعمل فيصدق عليه قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها " 1
والأمر الثاني : هو تحول ذات الإنسان الأنانية إلى قيمة عليا ، يقيس بها كل شيء ، وينظر من خلالها إلى كل شيء ، وتسقط كل قيمة يرجع إليها ، أو مثل أعلى يحتكم إليه ، على العكس تماماً من الإنسان السوي الذي حينما تعرض عليه فكرة أو نظرية من النظريات ، فإنه يخضعها لمقاييس عقلية أو مبدئية ، لاكتشاف صحتها أو خطأها ، أما الإنسان الأناني فإنه يخضع الأفكار والرؤى التي تعرض عليه ، إلى مقاييس المصلحة الشخصية ، والربح والخسارة ، وهو مستعد أن يضحي بكل القيم السائدة في المجتمع ، سواء منها الديني أو العرفي . . ويدوسها تحت قدميه إذا تعارضت مع مصلحته ومنفعته ، غير أن الإنسان الذي يؤمن بقيم ومثل وتتركز عواطفه تجاهها ، فإنه على استعداد أن يضحي بذاته ومصالحه من أجل تلك القيم والمثل .
والأمر الخطير في تقديس الذات هو تحول الذات إلى إله يعبد كما يقول القرآن الكريم :
) أرأيت من اتخذ إلهه هواه ( 2
ويقول شاعر الأنانيين :
جربـت ألف عبادة وعبـادة
فرأيـت أفضـلها عبادة ذاتي

هكذا تصبح شهواته وهواه إلهاً مقدساً لديه مفترض الطاعة فالحق ما وافق الهوى والباطل ما خالفه ، ويوضح الله سبحانه وتعالى سبب مخالفة ورفض الكثير من المشركين للأنبياء والرسالات الإلهية بقوله :
) أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ( 3


المرتبة الثانية :
ظهور الأخـلاق والصفات الأنانية . .
مرض الأنانية مرض عضال ، ولأنه عضال فهو يتفاقم وتزداد مضاعفاته وأعراضه في شخصية الإنسان الأناني ، وهنا نتطرق إلى أهم الصفات السيئة التي يفرزها مرض الأنانية :
1- التعصـب . . .
الإنسان الأناني الذي يتمحور حول ذاته يصاب تلقائياً بمرض التعصب ، التعصب للرأي ، وللجماعة ، وإلى كل شيء يمت إليه بصلة ، مهما كان رأيه خاطئاً ، أو جماعته تسير على طريق خاطئ ، ومهما كان رأي الطرف المقابل صحيحاً وواضحاً ، ونحن نلاحظ مثل هذه الأصناف في المجتمع ، حيث نرى بعض الأفراد لا يعجبهم أن يتنازلوا عن آرائهم مهما تسوق إليهم من أدلة وبراهين لإقناعهم ، فدائماً يعتبرون آراءهم هي الصحيحة ، وهي المفيدة ، وعداها باطل ، ومضر ومخالف للشريعة ، أو للواقع أو للحقيقة . . إن البعض من أبناء المجتمع ، المصابين بأمراض الأنانية ، ينطبق عليهم ذلك المثل العربي الذي يجسد مفهوم التعصب " عنزة ولو طارت " وهو مثل يضرب على الإنسان المتعصب وقصة هذا المثل هو : أن اثنين من الأعراب كانا يمشيان في الصحراء ، فبدأ لهما جسم أسود ، على مسافة بعيده عنهما ، فقال أحدهما : هذا طائر كبير وقال الثاني : لا ، إنه عنز ، فانتظرا لكي يقترب الجسم ، ليعرفوا حقيقته ، وبعد لحظات اقترب منهما قليلاً ، ثم بدأ يطير في الجو بجناحيه ، فالتفت الشخص الأول وقال : ألم أقل لك أنه طير كبير ؟ فقال صاحبه مصراً : أنه عنز ، فقال له : ألا تراه يطير في الجو بجناحيه ؟ فقال : أبداً والله " عنز ولو طارت " .
يقول العلامة المدرسـي :
يتعصب البشر لأفكاره بدافع حب الذات ، ويجادل عنها ، ويستكبر دون معرفة ما يقابلها ودون الانفتاح على ما سواها .
ويتعصب أيضا لكل فكرة تكسبه نفعاً ، أو تدفع عنه ضراً ، ويتلون بها حسب الظروف ، وينغلق دون غيرها حتى ليعمى بصره .
ويغتر بجهله ، ولا يذل نفسه – حسب ظنه – بالسؤال ، أو البحث عن الحقيقة ، أو التسليم لمن ينادي بها ، لمجرد الظن بأن في ذلك منقصة لذاته ، التي يحبها ، وإلى هذه الغريزة ترجع عوامل الحسد والحقد والعناد النفسية . 1
ويقول الإمام الباقر ( عليه السلام ) :
" أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض عليه " 2
وقد ذم الله سبحانه وتعالى هذه الصفة واعتبرها من صفات الكفار يقول تعالى :
) وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ( 3
2- التكبـر . .
التكبر يعني أن يرى الإنسان نفسه أفضل من الآخرين ، وأعلى وأعلم ، بسبب الاعتبار المضخم ، أو فكرة الإنسان عن نفسه ، فالإنسان الأناني ينظر إلى نفسه نظرة مضخمة .
وصفة التكبر من الصفات الأكثر ذماً في القرآن الكريم ، والنصوص الشرعية ، بل لا نكاد نرى صفة مذمومة مثلها ، فآيات القرآن الكريم تشن هجوماً عنيفاً ، وتحمل حملة عشواء ، على صفة التكبر ، وعلى المتكبرين ، فيقول الله سبحانه وتعالى : ) أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (4
) سأصرف عن آياتي الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق ( 5
) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ( 6
وعندما نتصفح المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم نرى عشرات الآيات التي تذم التكبر والمتكبرين .
ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) :
" إياك والكبر ، فإنه أعظم الذنوب وألأم العيوب وهو حلية ابليس "
" شر آفات العقل الكبر "
" أقبـح الخلق الكبر "
ويقول الباقر ( عليه السلام ) :
" ما دخل قلب امرء شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك ، قل ذلك أو كثر " 1
وصفة التكبر هي ذاتها أخرجت ابليس من الجنة حينما قال متكبراً :
) أأسجد لمن خلقت طيناً ، أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (
فهذا العالم العابد قد سقط من مصاف الملائكة والمقربين إلى قعر نار جهنم بلحظة تكبر ولأهمية هذا المشهد فقد تكرر كثيراً في القرآن الكريم بصيغ مختلفة ، فإذا كان ابليس سقط في لحظة تكبر فكيف من يعيش من البشر وهم كثيرون طول حياتهم متكبرين متجبرين ؟
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في خطبة له :
" فاعتبروا بما كان من فعل الله بابليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد . . . عن كبر ساعة واحدة ، فمن ذا بعد ابليس يسلم على الله بمثل معصيته ؟ ! . .
فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعيدكم بدائه ، وأن يستفزكم بندائه . . . "
وفي الحديث الشريف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " لن يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " 2
وورد في صفة المؤمن أنه لا يرى أحداً إلا وقال أنه خير مني فإن كان الذي رآه صالحاً اعتقد أنه أفضل منه ، وإن لم يكن صالحا قال لعله يتوب ويتغير وضعه فيصبح أفضل مني عند الله .


وعن حفص بن غياث عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال :
" من ذهب أن له على الأخر فضلاً فهو من المستكبرين ، فقلت له : إنما يرى أن له عليه فضلاً بالعافية إذا رآه مرتكباً للمعاصي ، فقال : هيهات ، هيهات ! فلعله أن يكون غفر له ما أتى وأنت موقوف محاسب ، أما تلوت قصة سحرة موسى ( عليه السلام ) 1
3- حـب الظهـور " الريـاء " . .
وحب الظهور والشهرة تعني رغبة الإنسان أن يعرف الناس عنه أنه إنسان صالح أو غني أو كبير ، بهدف استقطاب الناس ، وتسخير قلوبهم ، من أجل التقرب منه ، ومدحه والثناء عليه ، لذلك فمحب الشهرة دائماً يذكر أعماله ومشاريعه وإنجازاته ، صغيرها وكبيرها ، وتارة يضيف عليها ما لم يعمل ، راغباً التعظيم والتفخيم والاحترام وكسب الآخرين .
وعلى المرائي الذي يحاول أن يتحدث عن أعماله وإنجازاته أن يتذكر هذا الحديث :
" من عمل عملاً ثم تحدث به أمام الناس المرة والمرتين فالثالثة يحبط عمله "
فقول الإنسان الذي عمل عمل خير أنني فعلت كذا وكذا حباً للظهور ، يحبط عمله ، ويستثنى منه من يقول ذلك لتشجيع الآخرين على عمل الخير .
إن أولياء الله كانوا يتخفون بأعمالهم ، فكان الإمام علي ( عليه السلام ) ، يتصدق كل ليلة على الفقراء ، بحيث لا يعرف أحد من الفقراء من هو الذي يعينه ويتصدق عليه ، وهكذا ينبغي للإنسان المؤمن الأمر الذي يصعب على الإنسان المرائي .

4- الغــرور :
حالة نفسية تعتور الأناني من الشعور بالقوة والعظمة والكمال ، فيتصور أنه في قمة الخير والفضل ، بينما الواقع خلاف ذلك ، فشأنه شأن العطشان الذي يبحث عن الماء فيصتوره في السراب الذي يتراءى له من بعيد وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن الغرور موضحة حقيقته وعاقبته ومحذرة منه .
وللإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) كلمة رائعة ننقلها لأهميتها : " المغرور من الدنيا مسكين ، وفي الآخرة مغبون ، لأنه باع الأفضل بالأدنى ، ولا تعجب من نفسك ، حيث ربما اغتررت بمالك وصحة جسمك أن لعلك تبقى .
وربما اغتررت بحالك ومنيتك ، وأصابتك مأمولك وهواك ، وظننت أنك صادق ومصيب ، وربما اغتررت إلى الخلق ، أو شكوت من تقصيرك في العبادة ، ولعل الله يعلم من قلبك بخلاف ذلك .
وربما أقمت نفسك على العبادة متكلفاً والله يريد الإخلاص ، وربما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل عن مضمرات ما في غيب الله .
وربما توهمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه . وربما حسبت أنك ناصح للخلق ، وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك . وربما ذممت نفسك ، وأنت تمدحها على الحقيقة .
وأعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور ، والتمني إلا بصدق الإنابة إلى الله ، والإخبات له ، ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل والعلم ، ولا يتحمله الدين والشريعة ، وسنن النبوة وأئمة الهدى ، وإن كنت راضياً بما أنت فيه ، فما أحد أشقى بعمله منك وأضيع عمراً ، فأورثت حسرة يوم القيامة " 1
المرتبة الثالثة :
معاداة الآخرين والعمل ضدهم . .
إذا كان الإنسان الأناني في المرحلة الأولى من نشوء بذرة الأنانية يهتم بمصالحه الشخصية ، ثم ينتقل إلى المرتبة الثانية ، فتبرز لديه الصفات الأنانية ، كالتعصب والكبر وحب الظهور والغرور ، فإنه في المرحلة الثالثة ، تبدأ أمراض الأنانية تنتقل من دائرته الشخصية ، لتصطدم مع الآخرين ، فيتصور أن الآخرين هم سبب الحد من حصوله على المزيد من المستلزمات التي توفر له الإشباع لعاطفة حب الذات ، ويرى بقائه ورفاهيته وبروزه وانتصاره ونجاحه في إسقاط الآخرين ، وتحطيم شخصياتهم ، فيحاول أن يبني لنفسه شخصية ووجاهة على أنقاض الآخرين ، ولهذه المضاعفات الناشئة من مرض الأنانية في المرتبة الثالثة ، مظاهر ، فإذا أردنا أن نعرف هل وصل شخص مصاب بمرض الأنانية ، إلى المرتبة الثالثة ، التي تتجلى في معاداة الآخرين فإننا نلاحظ في سلوكه المظاهر التالية :
1- تضخيم سلبيات الآخرين :
إن الشخص الأناني لا يتحمل أن يرى أشخاصاً أكثر منه قدرة وعلماً ومنزلة ، إذ يعتبر ذلك منقصة له ، ودلالة على ضعف شخصيته ، وقدرته ومنزلته ، فلكي يبرز في المجتمع كشخص عظيم ، وذي مكانة كبيرة ، يحاول أن يفتش عن سلبيات الأشخاص الأقدر منه عملاً وفكراً ، والمحترمين في المجتمع أكثر منه ، لكي يضخمها ويبرزها ، ليجعلها حجاباً يستر بها إيجابياتهم ، ويشوه شخصياتهم ، متصوراً أن هذا العمل سوف يجعل الآخرين يعتبرونهم أشخاصاً عاديين لا يتميزون عن غيرهم ، وبهذا يرتفع هو اجتماعياً ، وينظر له على أنه الشخص المتميز .
وهكذا يحمل الإنسان الأناني على عاتقه مسؤولية نشر سلبيات الآخرين مضخمة وكشف عوراتهم .
ونلاحظ مثل هذا السلوك في أوساط الطلاب حيث يحاول بعض الطلاب تضخيم سلبيات الطلاب المتقدمين والمجتهدين في دروسهم ويفسرون تقدمهم تفسيراً غير موضوعي فيعتبرون تقدمهم بسبب تمييز الإدارة أو المدرسين لهم أو يختلقون أسباباً أخرى .
إن خطورة مثل هذا السلوك يكمن أيضا في أن الشخص أن الجماعة التي تحاول أن تلاحق سلبيات الآخرين وعيوبهم لتنشرها على الملأ هو غفلتها عن عيوبها وسلبياتها الذاتية ، فالأنانية مشكلتها أنها تصور الشخص في ذاته خال من كل العيوب ، أما الإنسان السوي فإنه ينشغل بالتفتيش عن عيوبه وسلبياته الذاتية ، ليقوم بإصلاحها ، بهذا يتقدم ويفسح المجال للآخرين لكي يتقدموا أيضا ويشير الإمام علي ( عليه السلام ) إلى هذا الأمر بقوله :
" من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره " 1
ذلك أن الإنسان الذي يعرف عيوبه سيصبح إنساناً واقعياً وسيعرف أن الخطأ عند الإنسان أمر فطري .
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) مشيراً إلى هذه الحقيقة أيضا بقوله :
" لا تتبعن عيوب الناس فإن لك من عيوبك إن عقلت ما يشغلك من أن تعيب أحداً " 1
ويقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
" لا تتبعوا عورات المؤمنين فإنه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عروته فضحه ، ولو في جوف بيته " 2
بيد أن البعض يفعل أكثر من كشف سلبيات الآخرين بافتراء عليهم وتضخيم سلبياتهم وهذا هو الأسوأ .
2- حسـد الآخـرين :
وهذا مظهر يصاحب الإنسان الأناني ، حيث يندفع باتجاه حسد الآخرين ، ويتمنى إزالة النعمة عنهم ، وسقوطهم من مكانتهم الرفيعة ، ليبقى هو صاحب المكانة والسمو ، والفرق بينه وبين الإنسان السوي هو أن الآخر حينما يرى خصلة جيدة في شخص ، أو إيجابية كوجاهة اجتماعية ، أو روح قيادية ، أو مستوى علمي . . . فإنه يغبطه ويحاول الوصول إلى مستواه ، وهذا يندرج تحت اسم الغبطة ، وهو مباح في الشريعة الإسلامية ، على العكس من الأول الممقوت والمحارب ، حيث يأمر الله سبحانه وتعالى الإنسان المؤمن بالاستعاذة بالله منه بقوله :
 ومـن شر حاسـد إذا حسـد  والحسد مرض أخلاقي يؤثر في نفس صاحبه أكثر من غيره حيث تتركز مشاعر وعواطف وانفعالات الإنسان الحاسد حول تمني سقوط وزوال نعمة الإنسان الناجح أو المتقدم وكلما تقدم ذلك الإنسان ازدادت حالة الحاسد سوءاً ومرضاً
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) :
" الحاسد لا يشفيه إلا زوال النعمة "
" الحاسد يفرح بالشر ويغتم بالسرور "
" الحاسد يرى أن زوال النعمة عمن يحسده نعمة عليه "
" ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد ، نفس دائم ، وقلب هائم لازم " .
هكذا يفعل الحسد بصاحبه ، حيث يبدأ بجلب الحزن والهم والاضطراب ، في قلب الحاسد ، ومن هنا قال الإمام علي ( عليه السلام ) أيضا :
" الحسد مطية التعب "
" الحسود كثير الحسرات متضاعف السيئات "
وللحسد دور رئيس في إزالة الإيمان من قلب المؤمن ، فلا يمكن أن يجتمع الحسد مع الإيمان ، لأن الإيمان يطالب صاحبه بالخير والفضيلة ، والعطف على الآخرين ، وتمني التوفيق ، والسداد والغنى لهم ، والمساعدة على قضاء حوائجهم ، بينما الحسد يعني بغض الآخرين ، وتمني أتعابهم وإقلاقهم ، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى هذه الحقيقة .
يقول الإمام الباقر ( عليه السلام ) :
" إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب "
ويقول أيضا :
" إياكم أن يحسد بعضكم بعضاً ، فإن الكفر أصله الحسد "
إن أفضل نصيحة يمكن أن تعطى للأفراد الناجحين ، الذين يواجهون حساداً ، هو مضاعفة أعمالهم ونشاطاتهم ، فهذا أسلوب إيجابي لمواجهة الحساد ، حيث ينقلب حينئذ السحر على الساحر ، ويتحول الحاسد من مفترس إلى فريسة للقلق والمعاناة والصراع النفسي . . ومن القصص الطريفة التي تنقل في التاريخ أن الحجاج استدعى رجلين أحدهما حسود والآخر بخيل وقال لهما : ليطلب كل منكما طلبه ، فإني أعطيه ما طلب ، وأعطي صاحبه ضعف طلبته ، فإذا طلب أحدكما ألف دينار ، فإني أعطي الآخر ألفي دينار فليبدأ أحدكما بالطلب ، فذب التردد في نفسيهما ، وأخيراً تقدم الحسود وقال : أي طلبة أطلبها تعطي صاحبي ضعفها ؟ قال الحجاج : نعم . فقال الحسود : أيها الأمير أطلب أن تفقأ عيني اليسرى : فقال الحجاج : لماذا ؟ فرد الحسود : لكي تعطي صاحبي ضعف ما تعطيني فتفقأ عينيه ! فقال الحجاج : أما رأيت طلبة إلا هذه الطلبة ؟ لماذا لم تطلب مالاً أو منصباً حتى تستفيد منه : فقال الحسود : والله إن تفقأ عيني أهون علي من أن أرى صاحبي يأخذ ضعفين وأنا آخذ نصف ما أخذ ؟ !

3- وضع العقبات والعراقيل أمام الآخرين . .
حينما يعجز الإنسان الأناني عن إحداث الفشل في مسيرة الآخرين ، وتحطيم إنجازاتهم ، ومكاسبهم عبر الحسد ، وإشاعة سلبياتهم مضخمة ، فإنه يلجأ إلى أساليب أشد خطورة ، حيث يبدأ الشيطان بتشجيعه على معاداة الآخرين ، والوقوف أمام تقدمهم ، بوضع العراقيل والعقبات في مسيرتهم ، وتتحول مهمته في الحياة من تطوير ذاته إلى تحطيم الطرف المقابل ، وحينما تتبع برنامجه اليومي ، تراه يزخر بفقرات الوقوف أمام تقدم الأشخاص الآخرين ، باتباع أساليب غير أخلاقية ، تماماً كالأشخاص الذين يدخلون في سباق رياضي ، حيث يلجأ بعض المشجعين من أجل أن يتقدم الأفراد المؤيدون لهم بقذف الحجارة ، وضرب الأشخاص الآخرين المتقدمين في السباق ، لكي يتسنى للمتعاطفين معهم أن يتقدموا على خصمهم ، إن معاداة الآخرين مرض نفسي ، حذر منه الإسلام ، لما له من دور في تحطيم مسيرة التقدم الاجتماعية ، حيث ينحصر تفكير كل شخص بتحطيم الأشخاص الآخرين ، ويبتعد عن الأعمال الإنتاجية والإيجابية ، التي تعمل على تقدم المجتمع برمته .
يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
" ما عهد إلي جبرئيل ( عليه السلام ) في شيء ما عهد إلي في معاداة الرجال " 1
" إياكم والخصومة فإنها تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن " 2
وتزداد خطورة معاداة الآخرين ، حينما تحدث بين العاملين على الصعيد الإسلامي ، ممن يرغبون في نشر الإسلام ، وتعاليمه وتطبيق حكم الله في الأرض ، حيث أن الأنانيين الذين يريدون أن يحتكروا الساحة لأنفسهم ، دائماً في صراع مع الأطراف الأخرى المنافسة لهم ، مما يضعف جبهة الحق ، ويقوي جبهة الباطل ، ذلك أن المعاداة بين الإسلاميين هو إضعاف لهم ، وهذا المظهر في الواقع هو مظهر من مظاهر تخلف المسلمين .
هذه هي المراتب الثلاث التي يتدرج فيها الإنسان الأناني بدأ من التمحور حول الذات ومروراً ببروز الأخلاق والصفات الأنانية السيئة وانتهاءاً بمعاداة الآخرين .


























الوقاية والعلاج


أن يحب الإنسان ذاته ، فيدفع عنها الاسواء ، ويجلب له المنافع ، ويعمل لإسعاد نفسه وتقدمها ، فذلك أمر طبيعي .
والإسلام لا يريد من الإنسان أن يضر بنفسه ، أو يبغض ذاته ، بل أن تعاليمه القيمة تحذر الإنسان من تعريض نفسه للهلاك والخطر ) ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ( 1 وتحمله مسؤولية الدفاع عن ذاته والاهتمام برعايتها قبل كل شيء ) عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ( 2
ولكن كيف يحمي الإنسان ذاته ؟ وكيف يضمن السعادة والخير لنفسه ؟ قد يتصور البعض أنه لو ترك له الخيار ، وفسح له المجال لتلبية رغبات نفسه وشهواتها فذلك هو الطريق الأفضل لإسعاد النفس ومصلحة الذات . . وهذا تصور خاطئ يشبه إلى حد بعيد رغبة الطفل في أن نعطي له الحرية الكاملة ليعمل ما يشاء ويعبث كيفما يريد !! إن الطفل قد يعجبه اللعب بالنار التي تحرقه ، وقد يرغب أكل التراب الذي يؤذيه ، كما قد ينزعج من تناول الدواء ، وتلقي الدراسة والعلم !! أليس كذلك ؟
ووظيفة التعاليم الإلهية ، والتوجيهات الدينية أن ترشد الإنسان إلى الطريق الصحيح والسليم لإسعاد ذاته ، وتبين له موارد الخير عن مهاوي الشر . .
أما الأنانية المقيتة فهي خداع وضلال ، حيث يهلك الإنسان نفسه ظناً منه انه يسعدها ، ويضر بمستقبله ومصلحته توهماً منه أنه يخدم ذاته !!
والسؤال الآن هو : كيف يقي الإنسان نفسه من هذا المرض الخطير ؟ وكيف يتخلص من داء الأنانية من ابتلي به ؟

أولاً : الرؤية السـليمة :
فنظرة الإنسان الخاطئة المحدودة للدنيا والحياة هي التي تخلق الأنانية في نفسه وتنمي لديه السلوك والخلق الأناني ، أما إذا اتسعت رؤية الإنسان ، وكانت صافية نقية ، فسوف يتجاوز ذاته ، ويهتم بغيره ، وهو بذلك يضمن الخير والمستقبل لنفسه أولا وبالذات . . والرؤية السليمة الصحيحة إنما يستلهمها الإنسان من تدبره في آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة
فالآيات القرآنية والنصوص الدينية تذكر الإنسان بالقسم الآخر والأكبر لحياته ، وهو الدار الآخرة ، وتؤكد له بأن الحياة الدنيا ما هي إلا مقدمة ومعبر محدود صغير ، وأن كل ما يراه في الدنيا من متع ولذات ومصالح لا قيمة لها تجاه ما في الآخرة من نعيم ، وما يعانيه ويلاحظه من مشاكل والآم وعذابات في الدنيا لا توازي ذرة من عذاب وعقاب جهنم الآخرة . .
) أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ( 1
) وللآخرة خير لك من الأولى ( 2
) بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى ( 3
) كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة ( 4
كما توجه النصوص الدينية نظر الإنسان إلى اللذات المعنوية والروحية إلى تحصيل محبة الله ورضوانه ، والقرب من رحمته ولطفه ، فما قيمة اللذات المادية ومصالح الدنيا بأجمعها إلى جنب حب الله روضاه ؟
) والذين آمنوا أشد حباً لله ( 5



) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ( 1
وحتى نعيم الجنة وخيراتها تتضاءل أمام تلذذ المؤمن وسعادته برضا ربه عنه يقول تعالى :
) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ( 2
وتعاليم الإسلام تربي الإنسان وتدفعه إلى تحسس الآم الآخرين وقضاء حوائجهم والاهتمام بأوضاعهم ، فالأنانية حالة مناقضة لتوجيهات الإسلام وسلوك مغاير لمناهجه ، حيث لا يمكن أن يجتمع الإيمان والأنانية في شخصية الإنسان ، وإذا ما تظاهر الأناني بالتدين فإنه تدين قشري كاذب لا حقيقة له . .
ففي الحديث الشريف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم " 3
ويقول تعالى :
) أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ( 4
وبالتدبر في آيات القرآن الكريم الحكيم والأحاديث الشريفة يتضح للإنسان أن الشخصية المؤمنة من صفاتها الأساسية الاهتمام بالآخرين وتحمل المسؤولية الاجتماعية وخدمة الغير ففي الحديث الشريف :
" خصلتان ليس فوقهما من البر شيء الإيمان بالله والنفع لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما من الشر شيء الشرك بالله والضر لعباد الله " 5
وفي حديث آخر :
" ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره المسلم جائع " 1
وحتى في مجال الدعاء فحينما يطلب الإنسان المؤمن من ربه حاجاته فإن الأدعية المأثورة الواردة تعلمه وتربيه على ذكر حاجات الآخرين والتوجه إلى الله من أجل أدائها وقضائها :
فمن الأدعية المهمة في شهر رمضان المبارك مثلاً :
" اللهم أدخل على أهل القبور السرور ، اللهم أغن كل فقير ، اللهم أشبع كل جائع ، اللهم اكس كل عريان ، اللهم اقض دين كل مدين ، اللهم فرج عن كل مكروب ، اللهم رد كل غريب ، اللهم فك كل أسير ، اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين ، اللهم أشف كل مريض ، اللهم سد فقرنا بغناك . . . إلى آخر الدعاء " . . 2
والأنانية إنما تنمو عند الإنسان حين يغفل عن التدبر في القرآن الكريم والتتلمذ على النصوص والتعاليم الدينية ، وإذا كان الماديون يعانون من الروح الأنانية فأمر طبيعي لأن المادة تسيطر على قلوبهم ، ولأنهم حرموا أنفسهم من أجواء الإيمان ونفحات الرسالة ، ولكن ما هو عذر الإنسان المسلم ؟ ولماذا يتفشى داء الأنانية في أوساط المسلمين وبين صفوف أمة القرآن ؟
ليس إلا من غفلة المسلمين عن تعاليم دينهم وتوجيهات ربهم , ولكي نحارب الأنانية في مجتمعاتنا يجب أن نبث تلك الرؤى الإسلامية الصحيحة ، ونوجه الناس دائماً نحو البعد الآخر لحياتهم . .
ثانياً : الوعــي الاجتماعي :
الإنسان باعتباره جزءاً من المجتمع الذي يعيش فيه فإنه يتأثر بأوضاع ذلك المجتمع ، فلا يستطيع الإنسان أن يصنع له عالماً خاصاً من السعادة والراحة يعيش فيه وحده ، فهناك رأي عام وجو سائد في المجتمع يؤثر على كل أفراده بنسبة أو بأخرى ، وهناك تفاعل وتأثير متبادل بين الفرد والمجتمع ، والأناني يتوهم ويتصور خطأ أن بإمكانه أن يسعد ويريح نفسه دون أن يأخذ بعين الاعتبار محيطه ومجتمعه .
فمثلاً الناحية الدينية والأخلاقية لو فكر الفرد أن يصلح ذاته فقط دينياً وأخلاقياً ولا شأن له بالآخرين فهل يسلم من تأثيرات الآخرين ؟ كلا فإن الفساد والانحراف إذا فشا في المجتمع فسيتسرب إلى داخل بيته وسيؤثر على عياله إن لم يؤثر عليه ، وقد يصل الفساد والانحراف إلى مستوى يقيد فيه حرية الفرد المتدين من ممارسة تدينه وصلاحه وهذا هو معنى حديث الإمام علي ( عليه السلام ) في وصيته للحسنين : " لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم " 1
ومن هنا أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان شرعيتان حيث لا يكتفي الإسلام من الإنسان بأن يصلح ذاته فقط بل يطالبه بالعمل والسعي لإصلاح الآخرين .
ومثال آخر على الصعيد الاقتصادي : فلو فكر إنسان في توفير الثروة لنفسه ، وتحصيل وسائل الراحة والرفاه ، ولم يهتم باوضاع من حوله من الفقراء والمحتاجين ، فإنه لن تتحقق له الراحة والسعادة ، ذلك لأن الفقر والحاجة يلجأن بعض العناصر في المجتمع إلى التمرد والثورة ، فتتكون جماعات المقاومة لأصحاب الثروات ، وعصابات السرقة والخطف والنهب . .
وما نراه الآن في الغرب لدى المجتمعات المادية من مؤسسات خيرية واجتماعية ، إنما هو نتيجة لشعورهم وإدراكهم بردود فعل الفئات الضعيفة والمحتاجة على مستوى العالم والتي تؤثر على مصالحهم واستقرارهم ، وإن كانت اشكالات وملاحظات كثيرة على تلك المؤسسات ، ولكن ما نستشهد به هنا هو أن دافعهم إليها ليس دينياً وأخروياً وإنما لدرء الأخطار الدنيوية .
إن من يحمل وعياً اجتماعياً ، ويدرك تفاعل الأوضاع داخل المجتمع ، والتأثير المتبادل بين الفرد ومجتمعه لا يكون انانياً . أما تحصيل هذا الوعي فيأتي عبر توجيهات الإسلام ، والثقافة والمعرفة ، وبالتأمل في تجارب الحياة . .
ومسؤولية المفكرين والموجهين الواعين أن ينشروا الوعي الاجتماعي ويوضحوا للناس ارتباطهم وتفاعلهم مع مجتمعهم ومحيطهم .
ثالثاً : المعادلات الغيبيـة :
ليست كل شؤون الحياة وقضاياها تخضع للمعادلات المادية الواضحة أمامنا فقط ، فهناك معادلات وتأثيرات غيبية لا يمكن لنا رصدها بأجهزة الكمبيوتر كما نرصد أسعار الذهب وتأثيرات انخفاض أو زيادة إنتاج النفط . .
ولكن ما نراه بالتجربة وما تؤكده لنا النصوص الدينية هو أن اهتمام الإنسان بالآخرين وعطاءه لهم يجلب له الخير ويبعد عنه الكثير من الأخطار بينما تجاهله للآخرين وإعراضه عن مساعدة المحتاجين ، يجعله عرضة للشرور والأخطار . .
عن أبن مسعود قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير ، وإن الله تعالى ليباهي بمطعم الطعام الملائكة " 1
وعنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
" أن لله عباداً يخصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله عنه وحولها إلى غيره " 2
وعن ابن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
" الجود من وجود الله تعالى فجودوا يجد الله تعالى لكم " 3
وهناك قصة جميلة تبين نتائج العطاء على المعطي وبشكل لا يتوقعه :
خرج عبدالله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فيها ، إذ أتى الغلام بقوته ، ودخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ، ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكله ، وعبدالله بن جعفر ينظر فقال : يا غلام كم قوتك كل يوم ؟
قال : ما رأيـت .
قال : فلم آثرت به هذا الكلب ؟
قال : ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده .
قال : فما أنت صانع اليوم ؟
قال : أطـوي يومي هذا .
فقال عبدالله بن جعفر : ألام على السخاء أن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات واعتق الغلام ووهبه له .1
ومن أوضح مصاديق تأثيرات الغيب في هذا المجال صلة الرحم فقد تواترت الأحاديث وتكررت التجارب حول نتائج صلة الرحم ومضاعفات قطع الرحم فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله ) :
" صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر " 2
ونظر الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) إلى رجل معمر يقال له : ميسر فقال له : يا ميسر لقد زيد في عمرك فأي شيء تعمل ؟
قال : " كنت أجيراً وأنا غلام بخمسة دراهم فكنت أجريها على خالي " 3
ومظهر آخر للمعادلات الغيبية : تأثير الصدقة على الفقراء والمحتاجين فعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
" الصدقة تسد سبعين باباً من الشر "
" الصدقة تدفع الأعراض والأمراض ، وهي زيادة في أعماركم وحسناتكم " 4
والتفت الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) يوماً لأبنه محمد قائلاً : يا بني كم فضل من تلك النفقة ؟
قال : أربعون ديناراً .
قال : أخرج فتصدق بها .
قال : إنه لم يبق معي غيرها .
قال : تصدق بها ، فإن الله عز وجل يخلفها ، أما علمت أن لكل شيء مفتاحاً ومفتاح الرزق الصدقة ؟ فتصدق بها .
قال : ففعلت ، فما لبث أبو عبدالله إلا عشرة أيام حتى جاءه من موضع أربعة آلاف ديناراً .1
وكذلك الحال بالنسبة لقضاء الحاجة فمن ساعد أخاه في مهامه وقضاياه المستعصية فإن الله تعالى يساعده في حل مشاكله وقضاء حوائجه ، يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) :
" من كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه " 2
فإذا كان الإنسان يحب ذاته ويريد خيرها في حاجته فالطريق الأفضل والأسلم هو الاهتمام بالآخرين ، ومساعدة الغير ، أما الانكفاء على الذات ، والأنانية الضيقة فإنها تحطم الذات ، وتسبب الخسران . . فالحياة ليست كلها معادلات مادية واضحة حتى يخدم الإنسان ذاته من خلالها فهناك معادلات غيبية هي أشد تأثيراً لا بد من مراعاتها ، وخدمة الغير هي معادلة مؤثرة من معادلات الغيب . .
رابعاً : حياة الكرماء ومصير الأنانيين :
يعيش الإنسان في هذه الحياة مرة واحدة ، ولا يتسنى له أن يعود إليها ليستفيد من تجربته الأولى :
) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة قائلها ( 3
ولكن يستطيع الإنسان أن يستقرأ حياة آخرين فيستفيد ويتعظ من تجاربهم . . لقد عاش في هذه الحياة الدنيا مليارات البشر وحسب آخر إحصائية للمعهد الوطني لدراسة إحصائيات الشعوب في فرنسا أن عدد البشر الذين عاشوا على وجه الأرض منذ بدء الخليقة وإلى الآن هو 80 مليار نسمة .
ويحتفظ لنا التاريخ بأبرز النماذج الخيرة والشريرة من أبناء البشرية وبدراسة حياة تلك النماذج حسب اهتمامات الإنسان ، يمكن تحصيل الكثير من التجارب والعظات التي يصنع الإنسان حياته على ضوئها وهديها .
فهناك صفحات مضيئة مشرقة سجلها المعطاءون بكرمهم وتضحياتهم من أجل القيم وخدمتهم للآخرين . . وهناك ملفات سوداء عن الأنانيين الذين اصبحوا لعنة التاريخ . .
ولا يمكن لعاقل يطلع على سير الكرماء والمصير الأسود للأنانيين ثم يختار لنفسه السلوك الأناني .
يقول أحد العلماء المراجع :
ذات يوم أرسلت إلى ثري أن يبني مشروعاً في كربلاء – العراق أي مشروع أحب من مدرسة أو مكتبة أو دار أيتام أو حسينية أو مسجد أو . . فقال الثري لصديقه الرسول : بلغ سلامي إلى السيد وقل له : الآن ظروفنا حرجة ، وأنا لا أقدر على تنفيذ المشروع ! وكم كان يكلفه المشروع ؟ خمسة آلاف أو عشرة آلاف في ابعد تقدير ، ولم تمض مدة ستة أشهر إلا ومات الثري وأخذت الحكومة من أرثه ضريبة تصاعدية بمبلغ ( مليون وثمانمائة آلف دينار ) !!
وذات يوم تبرع جمع من التجار لأجل شراء دار لأحد العلماء ، واشتروا الدار بأقل من آلف دينار ، وساهم في المشروع ثري تقدر ثروته بأكثر من مليون دينار ولكن مساهمته لم تتجاوز عشرين ديناراً . وذات يوم كنت مدعواً في دار الثري ، فأظهر أحد الحاضرين أن نفس ذلك العالم بحاجة ملحة فله عائلة و . . . فأهتاج ذلك الثري الذي ساهم بعشرين ديناراً ( من الخمس ) قائلاً : هذا لا يكون فهل نتمكن نحن أن نبذل كل يوم ؟ وأردف بكلمات أقسى . . . ثم رأيت ذلك الثري قد كسحته اشتراكية عبدالسلام عارف ، وهو يتلوى كما يتلوى الملدوغ ، وسلط عليه من أقربائه من لم يرحمه ، ففكرت أنه وأمثاله لو كانوا يعملون بصورة جادة لئلا يروا هذا اليوم لما رأوه .1
إن أمتنا الإسلامية تعيش اليوم معركة الصراع والتحدي مع الاستكبار العالمي والتخلف الداخلي وإذا ما بقيت امتنا على تأخرها وتحت هيمنة المستكبرين ، فإن المآسي والآلام ستشمل جميع أبناء الأمة ولن يسلم منها حتى الأنانيون . .
وتغيير وضع الأمة ، وإنقاذها من حضيض التخلف والتبعية ، يحتاج إلى جهد وعمل تضحوي ، تشارك فيه كل الطاقات والفعاليات ، ولكن الأنانية تشكل عقبة كأداء ، تمنع الكثيرين من طاقات الأمة من المشاركة في معارك الصراع والتحدي ، حيث يهتم البعض بمصالحهم الشخصية وقضاياهم الخاصة المصلحية غير مبالين بواقع أمتهم في نفوس أبناء الأمة ويكونون مصداقاً لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
" ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "
فلن تتغير أوضاع امتنا وبلادنا فإن الله تعالى يقول :
) إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( 1
وأول تغيير تحتاجه نفوسنا هو انتزاع حالة الأنانية والتحلي بروح العطاء والاهتمام بالمصلحة العامة .
وبحمد الله فقد استجابت طلائع الأمة لنداء ربها ، وتفاعلت قطاعات كبيرة من جماهير الأمة مع الصحوة الإسلامية المباركة وكلنا نأمل بتوفيق الله ونصره لكي يستعيد المسلمون عزتهم وكرامتهم في ظل الإسلام إنشاء الله .








 الفصل السابع











لكي لا نحتقر أنفسنا














وهب الله للإنسان مكانة كبيرة في هذا الكون وميزه على سائر الكائنات والموجودات ، فحينما نتدبر في النصوص الدينية من آيات وروايات ونتأمل التشريعات والأحكام ، نلاحظ مدى ما للإنسان عند الله عز وجل من منزلة عظيمة ودرجة رفيعة يتفوق بها على أكثر المخلوقات .
وهناك مجموعة كبيرة من الآيات والأحاديث التي تتحدث عن مكانة الإنسان عند الله سبحانه وتعالى نستعرض هنا بعضها :
قال تعالى : ) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ( 1
) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( 2
) وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء * ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك * قال أني أعلم مالا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضها على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسماءهم * فلما أنبأهم بأسماءهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ( 3
وعندما يتحدث الله عز وجل عن مكانة آدم إنما يعني الإنسان بجميع أفراده ومختلف فئاته وأجناسه وأجياله على امتداد التاريخ .
وكما في الآيات تظهر مكانة الإنسان ، كذلك في الأحاديث هنالك إشارات صريحة لأهمية الإنسان كإنسان .
عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله عز وجل أنفعهم لعياله ) 1
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، قال الله عز وجل : ( الخلق عيالي فأحبهم إلي ألطفهم وأسعاهم في حوائجهم )2
وعن الإمام علي ( عليه السلام ) : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( ما من شيء أكرم على الله من ابن آدم
قيل : يا رسول الله ولا الملائكة ؟
قال : الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر ) 3

وعن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أيضاً قال : ( خصلتان ليس فوقهما من البر شيء ، الإيمان بالله والنفع لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما من الشر شيء ، الشرك بالله والضر لعباد الله ) 4
مكانة الإنسان في الإسلام :
إذا كان الإنسان كإنسان له مكانة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى فكيف به وهو في رحاب الإيمان لا بد أن مكانته سوف تعلوا أكثر فأكثر .
لقد قدم الإسلام حاجة الإنسان على الأحكام الشرعية وجعل الأولوية لها .

فمثلاً : الطواف حول الكعبة عبادة مقدسة لها أحكامها وشروطها ولكن لو زاحم طوافك حاجة إنسان مؤمن فإن الشارع المقدس ينصحك بقطع الطواف لقضاء حاجة أخيك المؤمن في الطواف المستحب بإجماع الفقهاء وفي الطواف الواجب تفصيل تختلف فيه آراء الفقهاء .
وهناك رواية جميلة حول الموضوع عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) برواية أحد أصحابه ويكنى " أبو أحمد " قال : كنت مع أبي عبدالله ( عليه السلام ) في الطواف ويده في يدي إذ عرض لي رجل له حاجة فأومأت إليه بيدي .
فقلت له : كما أنت حتى أفرغ من طوافي
فقال أبو عبدالله ( عليه السلام ) : ما هذا ؟
فقلت : أصلحك الله رجل جاء في حاجة ؟
فقال لي : أمسلم هو ؟
قلت : نعم
فقال لي : اذهب معه في حاجته !
فقلت : أصلحك الله فأقطع الطواف ؟
قال : نعم
قلت : وإن كنت في المفروض ؟
قال : نعم وإن كنت في المفروض .
قال : وقال أبو عبدالله عليه السلام من مشى مع أخيه المسلم في حاجة كتب الله له ألف حسنة ومحى عنه ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ) 1
وجل الأحكام الشرعية قد تعطل وتعلق حينما تصطدم بكرامة الإنسان وحياته ، فالصلاة واجبة شرعاً وحينما يصلي المؤمن لا يصح له أن يتكلم ولا بحرفين خارج نطاق أذكار الصلاة ، ولكن حينما يدخل عليه مؤمن آخر ويسلم عليه فيجب أن يرد عليه السلام بمثل ما سلم ، وإن كان في صلاته ! احتراماً للإنسان وإقراراً بقيمته ومكانته .
وكذلك فإن الصلاة واجبة لكن إذا تعارضت مع إنقاذ حياة إنسان أو كرامته ووجوده فإن الله سبحانه وتعالى يجيز لك أن تقطع صلاتك لكي تنقذ حياة ذلك الإنسان وإن لم تفعل كنت مأثوماً .
وكذلك الصوم واجب ولكن حينما يتعارض مع مصلحة إنسان ، وحتى وإن لم يكتمل تكوين وخلق ذلك الإنسان بعد فإن الله يجيز لك أن تترك الصيام ، فمن الواضح أن المرأة الحامل إذا كان الصوم يضر بحملها أو كانت مرضعاً وصومها يضعف لبنها الذي يغذي الطفل يجوز لها أن تفطر ولو كان ذلك في شهر رمضان الذي فرض الله صيامه على الناس ، وكذا إذا تعارض مع صحة الإنسان كل ذلك من أجل الحفاظ على مكانة الإنسان وكرامته .
ذلك لأن الإنسان خليفة الله في الأرض وممثله وهو محور هذا الكون ، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى :  خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي  1
كل شيء في الكون مخلوق من أجل الإنسان ومسخر له وليس هناك من يسخر الإنسان إلا الله ، يقول تعالى :
) الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ( 2
) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر * والنجوم مسخرات بأمره * إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه * إن في ذلك لآيات لقوم يذكرون * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتسخرجون منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ( 3
ولأن الإنسان محترم عند الله فإنه تعالى لا يسمح لأي أحد بهتك حرمته والاعتداء على حياته وكرامته فبمجرد انعقاد نطفة الإنسان في بطن أمه تبدأ حصانته الإلهية وحرمته الإنسانية فحتى أبواه لا يجوز لهما القيام بأي تصرف يؤذيه أو يشكل اعتداء على حياته ولذلك حرم الإسلام الإجهاض – إسقاط الجنين .
إن قداسة الإنسان وحرمته تسبق تكونه وترافقه إلى أن يموت ، مهما طعن في السن ، بل كلما كبر سنه زاد الإسلام في احترامه وتوقيره .
قال تعالى : ) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا * إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ( 1
وهناك أحاديث عديدة حول احترام كبار السن وتوقيرهم ، حتى أن كتب الأحاديث تفرد لها باباً خاصاً فمنها ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من وقر ذا شيبة لشيبته آمنة الله تعالى من فزع يوم القيامة ) وعنه أيضا : ( بجلوا المشايخ فإن من إجلال الله تعالى تبجيل المشايخ ) 2
وحتى بعد وفاته يحفظ كرامته فمن المعروف أن للإنسان الميت احتراماً كبيراً في الإسلام حيث تقام له مراسيم خاصة ويعامل معاملة متميزة تليق به كإنسان دون غيره من المخلوقات ويمنع الإسلام إهانة الميت والتمثيل به ولو كان مجرماً فاسداً ، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام ) في وصيته لولديه الحسن والحسين عليهما السلام عند شهادته : ألا لا تقتلا بي إلا قاتلي ، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا تمثلوا بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ) 3
الإنسان واحتقار الذات :
مع أن الله عز وجل رفع هذا الإنسان إلى مكانة عالية وكرمه دون سائر المخلوقات وأوجب احترامه لنفسه واحترام الآخرين له مع كل ذلك فإنه غالباً مالا يعرف قيمة نفسه ويهين ذاته ويتنازل عن حقه في الكرامة ، ليعيش صغيراً ناقصاً في هذه الحياة . . لماذا ؟
الواقع أن هناك داء يصيب بعض أفراد البشرية فيجعلهم يتنازلون عن قيمتهم ، ذلك الداء هو ما يطلق عليه علماء النفس بعقدة الحقارة والشعور بالنقص – الإحساس بالضعة .
عقدة الحقارة من أخطر الأمراض النفسية التي تصيب كيان الإنسان فتجعله يتنازل بطوعه واختياره عن قيمته وعن مكانته المعدة له .
عقدة الحقارة . . ماذا تعني ؟
إنها تعني اقتناع الإنسان في داخل ذاته بقصوره ونقصه وعجزه ، وأنه أقل قيمة وقدرة ومكانة من الآخرين ، بعبارة أخرى هي انهزام الإنسان من الداخل وشعوره بالعجز عن فعل ما يفعله الآخرون .
ويحارب الإسلام عقدة الحقارة بتذكير الإنسان بقيمته ومكانته عند الله وبتوجيهه إلى معرفة ذاته واكتشاف قدراته وطاقاته المودعة في شخصيته .
فهناك أحاديث كثيرة حول ضرورة معرفة النفس وقدرها وخطورة الجهل بها واحتقارها ، ذلك لأن معرفة النفس هي الطريق لتفكيك عقدة الحقارة وتجاوزها .
قال الإمام علي عليه السلام في خطبة له : ( من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة علم ) 1
وعنه أيضا في خطبة أخرى قال : ( هلك أمرؤ لم يعرف قدره ) 2
وعنه أيضا قال : ( نال الفوز الأكبر ، من ظفر بمعرفة النفس ) 3
( من جهل قدره جهل كل قدر ) 4
( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) 5
( العالم من عرف قدره ، وكفى المرء جهلاً أن لا يعرف قدره )6
وعن الإمام الصادق عليه السلام : ( إن الله يفوض للمؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يذل نفسه ) 7
عقدة الحقارة . . مظاهرها ونتائجها

أكثر الأمراض الجسدية حينما يتحدث عنها الطب فإنه يتحدث عن أعراضها ، فحينما يتحدث الأطباء عن مرض السكري مثلاً : فإنهم يذكرون أعراضه وكذلك الملاريا والتيفوئيد وسائر الأمراض لأن المرض أساسه جرثومة أو ميكروب أو خلل داخلي فلا يصفون لك الجرثومية أو الخلل ، وإنما يجبرونك بأعراض المرض ومشخصاته فتدرك حينئذ هل أنك مصاب بذلك المرض فعلاً أم لا ؟
وكذلك الأمراض النفسية إنما تعرف بأعراضها ومظارها السلوكية فهي ليست شيئاً مادياً داخل جسم الإنسان يمكن اكتشافه بالفحوصات والأشعة بل هي حالات نفسية تعرف بظواهر السلوك .
ولعقدة الحقارة أمراض ومظاهر هي محصلة ونتائج لتلك العقدة ، فلنستعرض بعض آثارها في حياة الإنسان :
1 / الانطواء والانعزال . .
يعزف الإنسان المصاب بعقدة الحقارة والنقص عن مخالطة الناس ويميل إلى الابتعاد عنهم وينغلق على ذاته ، ذلك لأن اختلاطه بالناس يذكره بنقصه الذي يعتقده ، فحينما يجتمع معهم ويراهم كاملين أمامه يتذكر نقصه ويتألم ، لذلك يفضل الابتعاد .
ولعل سبب انعزال كثير من الناس عن الآخرين هو إصابتهم بمرض عقدة الحقارة بيد أن ذلك لا ينسحب على الجميع طبعاً .
والإنسان الذي يمارس بعض الذنوب والمعاصي أيضا يحاول أن يبتعد عن المجتمع حتى لا يثار شيء يذكره بذنوبه ومعاصيه ، لذلك نرى بعض الانحرافات بشكل مباشر تدعو الإنسان إلى العزلة ، فكما يذكر علماء النفس أن ممارسة العادة السرية – على سبيل المثال – وهي الاستمناء المحرم تجر الإنسان إلى العزلة والوحدة .
وهناك أحاديث كثيرة تشير إلى هذه الحقيقة التي أثبتها العلم . فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( الرجل يجزع من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير )1
عندما يصاب الإنسان بذلة داخلية ويشعر أنه أصغر من الآخرين ، هذا الأمر يجره إلى الإصابة بمذلة كبيرة ، حيث يعتزل الناس مع علمه بفوائد الالتقاء والاجتماع بهم ، وتتضح هذه الحالة أكثر حينما يكون هناك فوارق ومميزات بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه كما إذا كان ملوناً وسط البيض العنصريين أو كانت لغته مختلفة أو انتماؤه المذهبي مختلفاً فإنه لا يمتلك الجرأة على الاختلاط بالآخرين لشعوره بالضعف والعجز أمامهم ، بينما الإنسان الواثق من نفسه القوي الشخصية لا يخالجه أي شعور بالنقص يمنعه من الاختلاط مع الناس مهما كانت الفوارق بينه وبينهم . .
بقى أن نشير على أن هناك أحاديث تشجع على العزلة عن الناس ولكنها تختص بما إذا كان المجتمع فاسداً بحيث يخشى الإنسان على نفسه الانحراف عن الاختلاط به إلا فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )2
وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم فقد رجلاً فسأل عنه فجاء فقال : يا رسول الله إني أردت أن آتي هذا الجبل فأخلوا فيه فأتعبد .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لصبر أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الإسلام خير من عبادته خالياً أربعين سنة ) 3

2/ التكبر وحب الانتقام . .
تكبر الإنسان عادة ما يكون دلالة واضحة على شعوره بالنقص وحقده على الآخرين لشعوره أنهم سبب هذا النقص ، والمتكبر يظن أنه بممارسة هذا السلوك يكون قد أخفى حقيقة ضعفه عن أعين الناس فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذله وجدها في نفسه ) 1
والحقيقة أن الغالبية العظمى من المتكبرين والمتجبرين إنما يتكبرون لسد ما يشعرون به داخل أنفسهم من نقص ، أما الإنسان الذي يعرف قدر نفسه ولا يشعر بهذه الحقارة في داخله لا يرى هنالك داع يجعله يتكبر على الآخرين وإنما يطرح نفسه في أوساط المجتمع كما هو .
إن شعور الإنسان بالحقارة يجره إلى الحقد على الآخرين وتوجيه النقد لهم وتحطيم شخصياتهم ونشر الشائعات حولهم .
عن الإمام على ( عليه السلام ) : ( ذووا العيوب يحبون إشاعة معايب الناس ليتسع لهم العذر في معايبهم ) 2
يقول علماء النفس ، يتضح هذا الأمر جلياً في صفوف الطلاب ، حيث يوجد فيهم من هو متفوق ومن هو متخلف لأي سبب من الأسباب سواء لعدم نشاطه وجده أو لضعف استيعابه وفهمه ، الأمر الذي يجعل من هو متخلف يمتلئ حقداً وكرهاً تجاه الأفراد المتفوقين عليه ، ولكي لا تبقى هذه صورة مزعجة له فإنه يمارس سلوكاً شاذاً لإبعاد هذه الصورة عن مخيلته أو تحطيمها ، وهذا السلوك عبارة عن السخرية والاستهزاء وإشاعة أخطاءهم وإبراز الجانب السلبي فيهم لكي يتساووا معه في الموقف ، فإذا كانوا متفوقين في الدراسة فهم متخلفون في جوانب أخرى ، وإذا كان هو متخلفاً في الدراسة فهو متقدم في جوانب أخرى ، فلا فرق إذن ، إنه يفعل ذلك ليرضي ويريح نفسه .
يروي لنا التاريخ أنه في يوم من الأيام كان المأمون العباسي جالساً في قصره وفي الأثناء مر عليه فقير ثيابه بالية ، وعندما رأى الفقير القصر الجميل المترف وقف جانباً وأخذ ينشد شعراً بصوت مرتفع :
يا قصر جمع فيك اللؤم والشؤم
ج متى تعربد في أجـواءك البـوم3

فسمع المأمون أبيات ذلك الفقير فقال آتوني به ، فأتوا به وقال له : ماذا كنت تقول ؟
فقرأ عليه شعره .
فقال له المأمون لماذا تدعو على القصر ؟
فقال يا أمير المؤمنين كيف لا أدعو عليه وأنت ترى حالي أنظر إلى ثيابي بالية وبطني طاوي من الجوع ، عندما رأيت هذا القصر تخيلت ما بداخله من ملابس وأطعمة بعيدة المنال فحدقت عليه لأنني لا أستفيد منه ما دام عامراً ، ولكن لو أن هذا القصر تحول إلى خرائب تعشعش فيه البوم لتمكنت من الدخول فيه لأخذ ما أراه يفيدني من خشب وحديد وأبيعه وأسد جوعي به .

3/ القلق والاضطراب النفسي . .
وهذا أمر طبيعي ونتيجة بارزة لعقدة الحقارة ، وذلك أن الإنسان يشعر بذلة وبصغارة داخل نفسه عندما يجد الآخرين متقدمين فإنه يصاب بحالة من الصراع الداخلي والاضطراب النفسي وعدم الراحة ، يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) من ساء خلقه عذب نفسه )1
وعن الإمام علي ( عليه السلام ) : ( سوء الخلق نكد العيش وعذاب النفس ) 2 وسئل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن أدوم الناس غماً فقال : ( سوء الخلق ) 3
إن المصاب بانحرافات خلقية يتعذب ويغتم وتتحطم أعصابه ويعيش القلق والحيرة والتردد وربما يرتكب جريمة شرب الخمور وتعاطي المخدرات لتهدئة ذلك القلق ولو لفترة قصيرة وربما يلجأ إلى الانتحار عند ارتفاع الصراع الداخلي إلى ذروته ويفقده أعصابه .

4/ الحساسية المفرطة . .
الإنسان الذي تمتلكه عقدة الحقارة والضعة يفسر كل كلمة تقال في محضره أو تصرف على أنه موجه ضد شخصه ، حتى وإن كانت تلك الكلمة أو ذلك التصرف عفوياً .
نقل أحد الأصدقاء أنه كان في مجلسهم شخص أصم وكان إلى جانبه صديقان يتكلمان مع بعض فخرج الأصم غاضباً منهما متهماً إياهما بالكلام ضده . . مع أنهما يتكلمان في مسألة أخرى !!
ويقول أحد العلماء كنت ألقي حديثاً في أحد المجالس وكان في المجلس شخص مصاب في إحدى عينيه وكان لي علاقة وثيقة به وفجأة افتقدته من المجلس وسمعت أنه يتكلم علي ويستغيبني فطلبت من أصدقائي أن يذهبوا إليه ليعرفوا ماذا جرى له ؟ وما هو الخطأ الذي صدر مني تجاه ؟ وعندما ذهبوا إليه قال لهم أنه متأثر لأنني أهنته على المنبر حين استشهدت ببيت شعر يقول . .
بليت باعور فعجـزت عنه
فكيف إذا بليت باعـورين

لم يخالط ذلك الإنسان هذا الشعور إلا لأنه مصاب بعقدة الحقارة والضعة بسبب مرضه الأمر الذي يجعله يظن أن كل ما يقال حول الموضوع موجه لشخصه ، وإن كان المتكلم لا يقصده أو غير ملتفت لحضوره أصلاً . .

5/ الخمــول . .
فشعوره بالحقارة والضعف يفقده الثقة بنفسه وقدراته فيتهيب تحمل أي مسئولية أو القيام بأي عمل يتصوره أكبر من قدراته وحتى لا ينكشف فشله وضعفه أمام الآخرين . . وقد يعتذر عن كثير من الأعمال بأعذار واهية كالتعب أو المرض أو الانشغال أو ما أشبه وحقيقة الأمر تهيبه من القيام بالعمل لضعف ثقته بذاته وشعوره بأنه أصغر من ذلك العمل .
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( قرنت الهيبة بالخيبة ) 1
ومع أنه يتهيب من مواجهة الواقع إلا أنه يبني له أحلاماً وآمالاً على رمال متحركة لا تلبث أن تنهار لأول مواجهة واصطدام فيعود أكثر خمولاً وتراجعاً .


6/ الأخلاق السيئة . .
الإنسان الواثق من نفسه القوي الشخصية لا يتهرب من مسئولية أعماله وتصرفاته فإذا عمل شيئاً لا ينكره بل يواجه نتائجه بشجاعة بينما الذي يحتقر نفسه يتنصل من مسئولية أعماله حينما تترتب عليها محاسبات أو مضاعفات فيلجأ للكذب . يقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه عليه )1
وكما تدفع عقدة الحقارة صاحبها للكذب فإنها تورطه في مرض النفاق حيث يجبن عن إعلان ولائه وموقفه الحقيقي ويتظاهر بما لا يؤمن ولا يعتقد يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( نفاق المرء من ذل يجده في نفسه ) 2
وعادة ما يتذرع من يحتقر نفسه بالتبريرات والأعذار لمواجهة أي خطأ يرتكبه أو أي تقصير يمارسه بدلاً من الاعتراف بالخطأ والاعتذار عن التقصير . .
وهكذا تفرز عقدة الحقارة العديد من الأمراض والأخلاق السيئة لدى صاحبها .














أسباب عقدة الحقارة

لماذا يشعر الإنسان بأنه أقل من الآخرين ؟ ولماذا يحس النقص في ذاته تجاه غيره ؟ ومن أين تنشأ عقدة الحقارة في نفس الإنسان ؟
لقد ذكر علماء النفس أسباباً عديدة لهذه الحالة المرضية ، كما تشير النصوص الدينية إلى جذور وخلفيات هذا المرض .
وسنتناول هنا أهم تلك الأسباب والعوامل مستوحاة من بحوث علماء النفس وهدي التوجيهات الإسلامية .
1/ الولادة غير الشرعية . .
في كل مجتمع هنالك قوانين وأعراف معينة لبناء العائلة وإنجاب الأولاد ، فإذا ولد إنسان من عائلة متكونة حسب التقاليد والأعراف السائدة في ذلك المجتمع فإنه يأخذ مكانته بين الناس بشكل طبيعي ، بيد أنه عندما يتجاوز الوالدان القوانين والتقاليد المتعارف عليها ويرتبطان ارتباطاً جنسياً محرماً فإنهما سوف ينجبان إنساناً معرضاً لخطر التلوث نفسياً بجريمتهما .
فمثلاً في مجتمعنا الإسلامي هنالك قانون شرعي للزواج " العقد" والذي يعتبر عرفاً والجميع متفق عليه ولا يرضى أحد بتجاوزه ، وعندما يتجاوزه رجل وامرأة ويزنيان فينجبان ولداً هذا الولد تنعقد نطفته وحقارته في ذات الوقت ، وتزداد تلك العقدة حدة عندما تتفتح عيناه على الدنيا ويجد واقعة مخالفاً للنظام السائد .
إذن ولادة الإنسان غير الشرعية تؤدي إلى إصابته بعقدة الحقارة وذلك لأن لحظة انعقاد نطفته وفترة الحمل لم تكن نفسية أمه نفسية طبيعية وإنما كانت قلقة ومضطربة جراء فعل ما يخالف التقاليد والأعراف الاجتماعية ، ثم هو بعد أن يظهر إلى الحياة يجد أنه ظهر بصورة تختلف عن ظهور الآخرين إلى الحياة وربما لا يجد أمه ولا أباه فيزداد تعقداً وصراعاً داخلياً في نفسه ، ويشعر أن المجتمع ينظر إليه نظرة ازدراء واستخفاف وريبة فتزداد بذلك عقدة الحقارة عنده ، ويحقد على المجتمع برمته .
هذه الحالة تظهر جلياً في المجتمعات التي تقدس عملية الزواج والولادة الشرعية ، ولا سيما مجتمعاتنا الإسلامية ، وهذه الحالة تظهر أيضا حتى في بعض المجتمعات الغربية ، ففي أمريكا على سبيل المثال تبنى دور ومستشفيات للأولاد غير الشرعيين ، وتقوم القوات الأمريكية بتربيتهم وتدريبهم في مدارس خاصة بغية توجيه حقدهم وانتقامهم إلى العالم الخارجي ، ويشارك في هذه الجريمة طبعاً علماء النفس الذين يستخدمون علمهم لتدمير العالم .
لقد تناقلت الصحف الغربية هذا الأمر وورد فيها أن أكبر نسبة في فرقة المشاة البحرية للقوات الأمريكية هو أولاد غير شرعيين ، ذلك أن فرقة المشاة والبحرية بالذات هما اللذان يقودان المعارك بشكل مباشر ، وهذا يتطلب نفسيات غير طبيعية تجرأ على قتل الأبرياء بطريقة مباشرة على العكس من بقية القوات التي تقتل الناس من مواقع محصنة ولا ترى جريمتها بوضوح .
حكم الإسلام في ابن الزنا :
بالرغم من أن الإسلام يرى أن الشخص المولود ولادة غير شرعية لا يتحمل ذنب جريمة الوالدين ولا يعاقبه الله على ذلك ، ولكن هذا لا يعني أنه سوف ينمو نمواً طبيعياً ، بل سوف يترك إجرام الوالدين آثاراً شاذة في كيانه .
فيكون ضحية تجاوز أبويه للقانون الشرعي الاجتماعي المتعارف عليه ، مع أنه لا يعني حتمية انحرافه واستحالة استقامته بحيث يكون مجبراً على الفساد ، كلا فبإمكانه أن يتجاوز تلك الآثار ويصبح إنساناً جيداً وصالحاً ، إذا ما بذل جهداً أكبر لو توفرت له الأجواء الصالحة ، إن المقصود مما سبق هو أن الاستعدادات الشاذة تنمو معه بصورة تختلف عن الفرد السوي الولادة واحتمال ظهور صفاته الشاذة وارد في أي لحظة ، وكما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) عن ابن الزنا : ( أنه يحن إلى الحرام والاستخفاف بالدين وسوء المحضر ) 1
وتوقياً لهذا الاحتمال الوارد يشترط الإسلام في الأشخاص المتصدين للمواقع القيادية في المجتمع طهارة المولد كمرجع التقليد والقاضي وإمام الجماعة .
ذلك لأن آثار عقدة الحقارة كامنة في شعور ابن الزنا وربما تتفجر في أي لحظة من اللحظات .
ومن هنا ندرك أهمية تأكيد الشريعة الإسلامية على خطورة الزنا وحرمته ووضع العقوبات الرادعة لمرتكبيه كالجلد والرجم فضلاً عما سوف يناله من عذاب شديد يوم القيامة ويتضاعف هذا العذاب حين إنجابه لطفل بريء يتسبب في شقائه له وإزعاج المجتمع به .
فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما من ذنب أعظم عند الله تبارك وتعالى بعد الشرك من نطفة حرام وضعها امرؤ في رحم لا تحل له ) 1
وعن الإمام الرضا (عليه السلام ) : ( أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقر نطفته في رحم يحرم عليه )2
ولا أروع من قول الله سبحانه وتعالى:  ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا  3
فالزنا ليس فاحشة فقط وإنما هو طريق سيئ يؤدي على شقاء المجتمع وانحطاطه لما ينتج عنه من إيجاد عناصر معقدة وشخصيات مهزوزة حاقدة تهدد البشرية بالويل والدمار .
وإذا ما نظرنا اليوم إلى الجرائم البشعة التي يرتكبها بعض حكام الدول المستكبرة والطغاة فإننا لا نستبعد احتمال خبث ولادتهم ، فهم لم ينحدروا من اسر متدينة شريفة بل أكثرهم نكرات نشأت في أجواء الفساد والانحراف .
إن أخبار الفساد والشذوذ التي نسمعها ونشاهدها من بعض هؤلاء الحاكمين تكفي للتشكيك في طيب ولادتهم وولادة أبنائهم الذين يعدونهم ويولونهم إمارات المناطق وتولي المناصب .
2/ التربية السيئة . .
للتربية دور كبير في صياغة شخصية الإنسان وترشيد سلوكه وتعزيز ذاته ، وليست أي تربية بإمكانها فعل ذلك وإنما التربية القائمة على قواعد سليمة .
وللأسف فإن الأسر لا تربي أبناءها تربية رشيدة ، وإنما كثيراً ما تكون خاطئة تؤدي في النتيجة إلى نشوء عقدة الحقارة عندهم .
وهناك مجموعة من الأساليب الخاطئة في التربية لدى المجتمعات المتخلفة تؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة منها :
أ / التحقير والسخرية
الطفل الذي ينمو في وسط عائلي قائم على تحقير الأبناء واعتبارهم صغاراً لا احترام لهم والتدخل في شئونهم الصغيرة قبل الكبيرة وتوبيخهم لأقل خطأ يصدر منهم حتى وإن كان عفوياً رغم اعتقاد الأب أنه بهذا يربي أبنه تربية سليمة ويرشده إلى الصلاح إلا أن هذا يؤدي إلى تحطيم شخصية الابن وتظهر شخصيته المحطمة كلما ازداد عمره حيث يشعر أنه غير قادر على بناء شخصيته وتحمل المسئوليات .
ونجد تحقير الابن في مجتمعاتنا واضحاً بصورة جلية حيث يصغر اسمه ويتم شتمه بكلمات بذيئة ومقززة لأقل خطأ أو عصيان ويصادرون حريته في الكلام والجلوس في المجالس العامة خصوصاً عندما يصدر منه سلوك مزعج باعتباره أنه لا يفهم والأسوأ من ذلك ضرب الطفل بشكل مهين .
بينما نجد في المجتمعات المتقدمة الاحترام والتقدير للطفل واعتباره عضواً محترماً في العائلة ولو راجعنا النصوص والتعاليم الإسلامية لوجدنا الكثير من الاهتمام باحترام الطفل وتربية شخصيته على الثقة والكرامة .
فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم ) 1
كما حذر الإمام علي ( عليه السلام ) بقوله : ( الإفراط في الملامة يشب نيران اللجاج ) 2
وروي عن أم الفضل زوجة العباس بن عبدالمطلب مرضعة الحسين ( عليه السلام ) : ( أخذ مني رسول الله صلى الله عليه وآله حسيناً أيام رضاعه فحمله ، فأراق ماءً على ثوبه فأخذته بعنف حتى بكى .
فقال صلى الله عليه وآله : مهلاً أم الفضل إن هذه الإراقة الماء يطهرها ، فأي شيء يزيل هذه الغبار عن قلب الحسين ؟ ) 1
وجاءت أحاديث كثيرة حول الاهتمام باسم الطفل وحسن اختياره وعن الرسول صلى الله عليه وآله قال : ( من حق الولد على الوالدين أن يحسنا اسمه ويحسنا أدبه ) 2
ومرة سأل رجل النبي صلى الله عليه وأله : ( يا رسول الله ما حق ابني هذا ؟
قال : ( تحسن اسمه وأدبه وتضعه موضعاً حسناً ) 3
وعن أبي الحسن (عليه السلام) قال : ( أول ما يبر الرجل ولده ، أن يسميه باسم حسن فليحسن أحدكم اسم ولده ) 4
ب/ التمييز بين الأبناء
وهذا أسلوب آخر من الأساليب الغير سليمة في التعامل مع الأطفال حيث يقوم الوالدان بتفضيل ابن على آخر ، والاهتمام به على حساب أخيه مما يغرس في نفسي الطفلين مشاعر سلبية . . فالأول يعجب بنفسه ، والآخر يحتقر ذاته ويكره الآخرين ، وفي هذا المجال هناك حديث رائع مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( نظر رجل له ابنان فقبل أحدهما وترك الآخر .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( فهلا ساويت بينهما ؟ ) 5
وفي حديث أخر يقول : ( اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم ) 6
ج/ الإهمــال
بعض الأسر لا تهتم برعاية أبنائها ولا توفر لهم العطف والحنان اللازم فتتركهم فريسة الشوارع والأجواء الخارجية وبسبب جوع الطفل للعاطفة والحنان ولملاحظته لما يتوفر لأقرانه من رعاية يحدث لديه شعور بالنقص ، وعادة ما تتلقفه الجهات المنحرفة الفاسدة فيصبح فريسة لأجوائها وقد تحصل هذه الحالة بسبب نزاع بين الوالدين يهدم استقرار الأسرة فتنعدم العناية بالأولاد أو بسبب انشغال الأب بأعماله بحيث لا يعطي جزءاً من وقته للاهتمام بأولاده
د/ التدليل والإفراط في المحبة
تفرط بعض العوائل في تدليل أبنائها وتعاملهم برعاية زائدة عن الحد المعقول اعتقاداً منها أن ذلك نوع من الإحسان والحب .
إلا أن هذا الإفراط له مضاعفات سيئة جداً حيث يشعر الطفل في صغره أنه يستطيع أن يحصل على كل ما يريد ويطلب ، ويرى أباه وأمه يستجيبان له ويعطفان عليه كثيراً لسبب وبدون سبب ويفتحون له أبواب العطاء والمساعدة دون قيد أو شرط .
إن هذا الطفل يتعود على الاعتماد على الآخرين ولا يبذل جهداً ذاتياً للحصول على ما يريد ، فبعض الأمهات مثلاً تستمر إلى فترة طويلة في تغذية طفلها بإيصال الأكل إلى فمه دون تشجيعه على مباشرة الأكل بنفسه ، ربما تفعل ذلك عن نية حسنة أو من أجل أن لا تنظف ما يتناثر من أكل على سفرة الطعام ، إلا أن ذلك يؤدي إلى إشعار الطفل بأنه مازال صغيراً ، بل أن بعض الأطفال تصل أعمارهم إلى مستوى متقدم وهم بعد لم يعتمدوا على أنفسهم في تطهير أجسامهم بعد قضاء الحاجة بل ينادون أمهاتهم ليقمن بذلك .
وقد تصل هذه الحالة من الإفراط في الدلال إلى حل الواجبات المدرسية نيابة عن الولد !! إن هؤلاء ينشئون على حب الذات والإعجاب بالنفس من جهة حيث يرون والديهم يحبونهم كثيراً فيعتقدون أن على الناس جميعاً أن يحبونهم أيضا . . ومن جهة أخرى ينزرع في نفسياتهم الشعور الحساس والمرهف هلا يقدرون على مواجهة المشاكل والصعوبات ويصبحون في المستقبل عباً على الآخرين أو رجالاً ناقصي الشخصية وضعيفي النفوس ، ينتابهم الشعور بالحقارة والنقص بين كل لحظة وأخرى ، وعدم القدرة على الاعتماد على النفس وبذاو يفقدون الثقة بأنفسهم وتبرز فيهم مظاهر عقدة الحقارة في كلامهم وتصرفاتهم ومواقفهم . .
وقد نبه أئمتنا الكرام عليهم السلام ، إلى خطورة الإفراط في حب وبر الأطفال فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : ( شر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط ) 1
إذن لا بد من الاعتدال في التربية واستخدام أسلوب الترغيب والترهيب مع الطفل حتى لا يشب عاصياً أو مدللاً منهزماً أمام مشاكل الحياة ، وإنما ينشأ معتمداً على قدراته ومواهبه ومستعداً لمواجهة معاناة الحياة ، قوي الشخصية لا يرضى بالإهانة حتى ولو كانت الإهانة صادرة ممن يمتلك القوة والسلطان .

3/ الحرمان الاجتماعي . .
ويتجلى في الموارد التالية :
أ/ اليتــم . .
لا ريب أن اليتيم يشعر بالفرق في الإمكانيات بينه وبين الآخرين حيث ينظر إلى من يمتلك وضعاً اسرياً جيداً ومتكاملاً ويلاحظ ما يعيشونه من سعادة ورفاهية ، بينما حاله يختلف عن ذلك حيث حرمه اليتم من حنان الأسرة ورعاية العائلة الكاملة ، هذا الحرمان يولد في الفرد اليتيم شعوراً بالضعة والنقص ، وتتكون عنده القابلية لعقدة الحقارة ، وإن كان هذا لا يعني أنه لا يستطيع تجاوز هذه الحالة السيئة .
وتحدث هذه الحالة عند اليتيم إذا لم يكن هناك اهتمام اجتماعي يعوض له ما فقده من الرعاية العائلية .
ولذلك نرى الشريعة الإسلامية تركز تركيزاً كبيراً على ضرورة الاهتمام باليتيم وتحذر من تحقيره أو إهانته أو قهره ، وقد قال تعالى في كتابه الكريم موجهاً رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن ذكره ببدايات حياته حيث الفقر واليتم :  ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاً فهدى * ووجدك عائلاً فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر  2
وهناك أحاديث كثيرة تركز على هذا الجانب فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له بذلك الجنة ) 1
وعن أيضا : ( خير بيوتكم بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيوتكم بيت يساء إليه )2
وعنه أيضا : ( من كفل يتيماً من المسلمين ، فأدخله إلى طعامه وشرابه ، أدخله الله الجنة البتة ، إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر ) 3
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : ( أدب اليتيم مما تؤدب منه ولدك وأضربه مما تضرب منه ولدك ) 4
وعن أيضا يوصي أولاده : ( الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم ) 5
إن على المجتمع أن ينتبه إلى الحالات النفسية عند اليتيم ، لأن المسألة ليست مسألة شخص فحسب وإنما المسألة أن هذا الفرد سيكون عنصراً في المجتمع وإذا لم تراع حقوقه ولم يعتبر بشخصيته فإنه سوف ينتقم من المجتمع ويتحول إلى عنصر هدام .
وفي المجتمعات المتخلفة نرى أن بعض الناس يتعاملون مع أطفال الآخرين معاملة سيئة حيث يمزحون مع الطفل ويستثيرون شعوره ويغضبونه ، وبعض الأحيان يخيفونه من أجل أن يبكي الطفل فيرتاحون ويتلذذون لمشاهدته بتلك الحالة ناسين أنهم بفعلهم هذا يعقدون الطفل ويزرعون عقدة الحقارة في نفسه ، وهذه الطريقة من المعاملة يزداد تأثيرها على الطفل اليتيم بصورة أكبر .
ب/ الفقـر . .
وهو وجه أخر من الوجوه التي تثير في الفرد التأزم النفسي والمعنوي كلما رأى الآخرين يمتلكون الإمكانيات ويعيشون حياة الرفاهية والراحة ، فقد لا يتمكن الفرد من الدراسة لفقره وإنما ينخرط في عمل من الأعمال لكي يصرف على نفسه أو عائلته وإذا حدث وأن دخل المدرسة فإنه ولا ريب سوف يرى الفرق بينه وبين الذين يذهبون إلى المدرسة بثياب جميلة وجيدة وحقائب ممتازة وشعر مسرح ونقود في الجيب ، فيتولد عند الطفل الشعور بالنقص والحقارة .
وتسعى برامج الإسلام وتعاليمه إلى إنهاء حالات الفقر والمسكنة في المجتمع أو تقليصها وتخفيف وطأتها عن طريق العدالة الاقتصادية والاجتماعية .
وإذا ما بقيت في المجتمع فئة تعاني من الفقر والحاجة لسبب أو لآخر فإن الإسلام يحرم التمييز بين الناس في المعاملة والاحترام على أساس وضعهم المادي ويؤكد على احترام الفقراء ومعاملتهم معاملة لا تشعرهم بالفرق بينهم وبين الآخرين .
فعن الإمام الصادق (عليه السلام ) : ( من حقر مؤمناً مسكيناً لم يزل الله حاقداً ماقتاً حتى يرجع عن محقرته إياه ) 1
وعنه عليه السلام : ( من لقى فقيراً مسلماً فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان ) 2
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( ألا ومن استخف بفقير مسلم فقد استخف بحق الله ، والله يستخف به يوم القيامة إلا أن يتوب ) 3
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من أكرم فقيراً مسلماً لقى الله يوم القيامة وهو عنه راض ) 4
ج/ السمعة السيئة . .
سواء السمعة السيئة للعائلة أو لتاريخ الشخص نفسه فذاك وجه من وجوه الحرمان الاجتماعي الذي يتسبب في نشوء الحقارة والضعة والانزواء عن الناس .
فقد ترتكب عائلة ما عملاً مخالفاً للعرف العام لدى المجتمع فيلتصق بها ذلك العمل ويظل مصاحباً لها يتبادر لأذهان الناس كلما سمعوا باسم تلك العائلة فيحتقرونها ويستنقصون أبناءها أو قد يكون اسم العائلة غير محبب للسماع فيتحول إلى عقدة عند صاحبه .
والإسلام نهى عن احتقار الابن لجريمة والديه ، كما نهى عن التنابز بالألقاب لأنها من فعل الجاهلية قال تعالى :  ولا تنابزوا بالألقاب  1
وفي الحديث ( حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه ) 2
وأحياناً أخرى يمارس الفرد أعمالاً بديئه في المجتمع ولكن بعد فترة يتوب إلا إن الآخرين كأنهم لا يقبلون توبته إذ يقومون بتعييره على أعماله السابقة مما يولد في ذلك الإنسان الشعور بالحقارة إذ أن فعلته ما زالت تلاحقه وكم من إنسان عاد إلى سالف عهده في الجريمة بعد أن تاب وذلك لعدم احترام المجتمع له .
وقد حذر الإسلام من فعل ذلك فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا زنت خادمه أحدكم فليجلدها ولا يعيرها )3
ولأن الإسلام يريد أن يحافظ على كيانات الأفراد وشخصيتهم ويمنعها من السقوط في وحل الحقارة والدناءة ، لذلك يأمر الإسلام المجتمع لمساعدتهم على ذلك وليس العكس .

4/ الأمراض والعاهات . .
يصاب بعض الأفراد بأمراض وعاهات قبل الولادة وتظل مصاحبة له وغير قابلة للعلاج في كثير من الأحيان ، وربما يصاب الإنسان بعاهة أثناء حياته وفي كلتا الحالتين يتعرض الإنسان إلى عقدة الحقارة جراء ذلك حيث تتكون عنده الاستعدادات لهذا الشعور بسبب ما يرى في المحيط الخارجي من أفراد معافين وسالمين بينما هو فاقد لعضو من أعضائه كأن يكون أعمى أو أصم أو أبكم أو ما شابه .
وخاصة في المجتمعات المتخلفة حيث تنعدم فرص التقدم والعمل أمام ذوي العاهات فلا تتوفر لهم المدارس والمعاهد الخاصة أو الأعمال المناسبة ، فيعيش المصاب جاهلاً وعاطلاً وعالة على الآخرين وقد يعامله المجتمع بالسخرية والاحتقار . .
لهذا فقد نبه الإسلام إلى ضرورة عدم النظر إلى المصابين بالعاهات نظرات تشعرهم بنقصهم وتذكيرهم بعاهاتهم ، هذا فضلاً عن عدم تعييرهم لأن الإسلام يهدف إلى إسعاد جميع أفراد المجتمع دون استثناء .
فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تديموا النظر إلى أهل البلاء والمجذومين فإن ذلك يحزنهم ) 1
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( لا تنظروا إلى أهل البلاء فإن ذلك يحزنهم ) 2
وعنه عليه السلام : ( إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة ) 3
وعنه عليه السلام أيضا : ( من نظر إلى ذي عاهة ، أو من قد مثل به ، أو صاحب بلاء فليقل سراً في نفسه من غير أن يسمعه ، الحمد لله الذي عافاني ) 4
إن المجتمع غير الواعي بالحالات النفسية عند الأفراد المصابين سوف يضاعف تأثير العاهة في نفسية الأفراد ، بينما المجتمع المؤمن الواعي يهون على الأفراد المصابين مصيبتهم .
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) : ( إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد ) 5
ومما لا شك فيه أن الأمراض والعاهات قد تكون عامل دفع للإنسان وتقدمه ، إذ لا يعني قولنا بأنها أحد الأسباب النفسية ، إنها سبب حتمي كلا وإنما توجد في الإنسان الاستعدادات لعقدة الحقارة .
وما يجب أن يفهمه المصاب بعاهة أن أعضاء جسمه ليست هي كل شيء في شخصيته فإذا ما فقد شيئاً منها انعدمت أمامه فرص التقدم والرقي . . فهناك بعدان آخران في شخصية الإنسان هما البعد الروحي والعقلي فبإمكانه التحليق في آفاق السمو الروحي والاقتراب من الله سبحانه وتعالى ليرتفع بالتقوى إلى أعلى ذرى الكمال ويصبح أكرم وأفضل عند الله ولدى المجتمع المؤمن من أصحاب الجسم وذوي الجمال يقول تعالى :
) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( 1
وإذا ما فجر طاقاته العقلية ومواهبه الفكرية فسينتزع دوره في المجتمع وسيفرض شخصيته على الآخرين وفي تراجم العظماء نجد أسماء كثيرة كانوا مصابين في أجسامهم بعاهات وأمراض مزمنة لكنها لم تقعد بهم عن الرقي في سلم العظمة والمجد . .
فهذا الجاحظ الأديب والكاتب المشهور والذي كتب ما يزيد على ثلاثمائة وستين مؤلفاً في شتى ألوان المعرفة ، أما لقب بالجاحظ لأنه كان مشوه الخلق جاحظ العينين – أي بارزهما – وكان يقال له الحدقي أيضا لأنه كان ناتئ الحدقتين . . وقد قال يوماً لتلاميذه أنه لم يخجلني طيلة عمري أحد كما فعلت امرأة ثرية فقد لقيت امرأة في بعض الطرق وسألتني في أن أصحبها ففعلت حتى أتت بي إلى محل صائغ للتماثيل وقالت له مشيرة إلي : كهذا فوقفت حائراً من أمرها ، ولما انصرفت سألت الصائغ عن القصة
فقال : لقد استعملتني هذه المرأة لأصوغ لها تمثالاً لشيطان
فقلت لها : أني لم أر الشيطان كي أصوغ تمثاله ، فطلبت مني أن أنتظر حتى تجيء لي بتمثاله . . واليوم جاءت بك إلي وأمرتني أن أصوغه طبق منظرك !!
إن سوء منظر الجاحظ ودمامة شكله لم تقعد به عن التقدم العلمي والأدبي وقد كان مقصداً للعلماء والأدباء وكان مقرباً من الحكام العباسيين لكفاءته ولمواقفه المناوئة لأهل البيت عليهم السلام .
وذاك أبو العلاء المعري ، كان مكفوف البصر ولكن ذلك لم يمنعه من إحراز مرتبة عالية في مجال الفلسفة والأدب حتى عد من أكابر شعراء اللغة العربية .



5/ الصدمات النفسية . .
يلاقي بعض الأفراد في بدايات حياتهم عقبات ومشاكل تعترض طريقهم فقد يفشل إنسان في حل مشكلة تواجهه أو يفشل في الدراسة ، أو في عمل من الأعمال فتصبح عنده قناعة داخلية بأنه إنسان غير قادر على النجاح وهذا نوع من اليأس والجهل بمعادلات الحياة .
6 / الأفكار الانهزامية . .
هناك بعض الأفكار تفقد الإنسان الثقة بنفسه وتشعره بالحقارة والضعف حيث توحي للإنسان بأنه عاجز عن مقاومة واقعة وتغيير أوضاعه وكأن الواقع المعاش مفروض من قبل الله . . وتسعى الحكومات الطاغوتية إلى ترسيخ هذه الفكرة لدى أبناء الشعب لكي لا يفكروا في الثورة والتحرك ولا تنمو في نفوسهم الطموحات العالية .
والصحيح أن واقع الناس تصنعه نفسياتهم ومواقفهم يقول تعالى :
) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ( 1
فللحياة الاجتماعية قوانينها ومعادلاتها ومن أبرز السنن الاجتماعية سنة التغيير والتحول في المجتمعات والتي ترتبط بوجود فئة تعمل من أجل التغيير وإن كانت قليلة العدد إلا أن إخلاصها وعطاءها يقربها من النصر يقول تعالى : ) كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( 2
إن الحكومات المسيطرة على شعوبنا ضعيفة وهشة ولكن المشكلة تكمن في أن الشعوب لم تكتشف ذاتها ولم تمتلك الثقة بقدراتها بسبب الأفكار السلبية الانهزامية التي تزرع عقدة الحقارة على صعيد الأفراد والمجتمعات .
7 / السلطات الطاغوتية . .
يسعى الحكام الجائرون إلى إضعاف ثقة الناس بأنفسهم وإشعارهم بالحقارة والضعة والعجز عبر وسائل الإرهاب والقمع فكل قانون وكل ممارسة لهذه السلطات يقوم على أساس إذلال المواطن وتحقيره فالحريات مصادرة والقانون معدوم وسياسة البلد يقررها الحكام وحدهم ويهان المواطن عند مراجعة الدوائر الحكومية وتوضع أمامه آلاف القوانين والعقبات التي تكبل حريته في العمل والتحرك . .
وإذا ما تجرأ المواطن على مخالفة السلطة فسيكون لعبة بيد الجلاوزة والمعذبين والمحققين يمارسون معه أبشع أساليب الإهانة والتنكيل . . وقد تزيد السلطة من قمعها واضطهادها لطائفة من الشعب وتمارس ضدها التمييز العنصري أو القومي أو المذهبي وبمختلف الوسائل لإذلال أبناءها وتحقيرهم . .
وفي ظل هذه السلطات يفقد الناس الثقة بأنفسهم ويحتقرون قدراتهم إن لم يتوفر لهم الوعي والثقافة الرسالية . .
قال تعالى : ) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم * إنه كان من المفسدين ( 1
















علاج عقدة الحقارة

وجود حالة من الحالات النفسية في شخصية الإنسان وحياته لا تعني حتمية إصابته بعقدة الحقارة وإنما تعني وجود الأرضية والاستعداد النفسي لنمو جرثومة هذا المرض الخطير . .
وحتى إذ ما ابتلي الإنسان بهذا المرض فإنه ليس مرضاً ثابتاً يستحيل علاجه . . وبإمكان الإنسان أن يتغلب على هذا المرض إذا ما أراد ذلك وصمم على الالتزام بأساليب الوقاية والعلاج .
والحديث الآن عن بعض وسائل العلاج وأساليب الوقاية :
1/ الوعي الصحيح . .
الإنسان الذي لديه وعي صحيح لذاته ومكانته عند الله لا يقبل لنفسه الذل والهوان ، ولا يستسلم للضعف الحاصل فيه وإنما يفتش عن مكامن القوة في شخصيته ويستعين بالله في الاستفادة منها ، وهذا في الواقع ما يميز الإنسان المؤمن عن الإنسان الكافر الذي يتعامل مع الحياة بمنظار مادي بحت ، فالمؤمن الذي يؤمن بالغيب أمله في التقدم يكون أكبر .
عندما تحدث الإنسان نفسه بأنه أقل من الآخرين ينبغي عليه أن يبعد تلك الوساوس ويقرأ الآيات والأحاديث التي تعرفه نفسه وتلفت نظره إلى ما أودع الله فيه من قدرات ومواهب .
وعن الإمام علي عليه السلام قال :
أتحسب أنك جرم صـغيـر
وفيك انـطوى العالم الأكبـر

وليقارن الإنسان بينه وبين الآخرين في أصل خلفتهم واستعداداتهم وليتساءل مع نفسه هل أولئك أحسن مني ؟ هل يمتلكون قدرات أكبر مني ؟ أو ليس الرب الذي قد خلقني ؟
وإذا رأى الإنسان الحياة بنظرة واقعية فإنه سوف يرى من هم أقل منه منزلة وطاقة وأصعب منه ظروفاً وأوضاعاً ، لكنهم استطاعوا أن يقودوا العالم ويصنعوا المعجزات ويتجاوزون النواقص .


2/ الإيحاء الذاتي . .
ليوحي الإنسان لذاته يومياً عشرات المرات بأنه كبير وعظيم ويمتلك القدرات الجمة والطاقات الغزار ، وليرتبط بالله أكثر ويدعوه فإن في الدعاء إيحاءات جميلة ومهمة لعلاج الأمراض التي تعجز عنه الحلول الأخرى ، وليتغافل الإنسان عن النواقص التي تعيقه عن التقدم ولا يركز عليها كثيراً لكي لا يصاب بالتشاؤم وينظر إلى نقاط القوة في شخصيته ويركز عليها ويوحي لنفسه أنه بها سوف يتقدم ، فالذين تقدموا ليسوا بأفضل منه .
3 / قراءة حياة العظماء . .
والأسماء اللامعة في تاريخ البشرية من العباقرة والعلماء والقادة ينبغي قراءة حياتهم وخاصة في بداياتهم فهم لم يولدوا عظماء يقول تعالى : ) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (1 ، وأكثرهم لم تتوفر له الظروف الملائمة للتقدم أو كان يعاني بعض المشاكل والصعوبات . .
الناس جميعهم جاءوا إلى الدنيا بمستوى واحد ولكن بعضهم توفرت له فرص التقدم والبعض الأخر لم تتوفر أو توفرت له ولكن لم يستغلها وبإمكان الإنسان أن يستغل الفرص القادمة .
والحمد لله هناك كتب كثيرة تتحدث عن حياة العظماء وكيف أصبحوا عظماء ، كما أن قسماً لا بأس به منهم كتب مذكرات لمسيرة حياته بإمكان أي إنسان الرجوع لها والاستفادة من عبر حياتهم وتجاربهم .
4/ ممارسة العطاء . .
الشعور بالنقص يمنع الإنسان من ممارسة دور العطاء ومحاولة القيام بالأعمال السامية ، وأفضل علاج لذلك الشعور تجاوزه والتنكر له باقتحام مواقع المسئولية وممارسة العطاء والتحرك يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( إذا هبت من أمر فقع فيه ، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه ) .
وكم من شخص كان يعاني من ضعف الثقة بنفسه ويحتقر قدراته ولكنه حينما اندفع في لحظة توفيق وهداية لممارسة دور مسؤول وتبني قضية صالحة استعاد ثقته بذاته وتفجرت طاقاته وكفاءاته واصبح عنصراً فاعلاً معطاءاً . .
5/ المحيط الصالح . .
الإنسان الذي يعاني من عقدة الحقارة عليه أن لا ينعزل عن الناس فليس كل الناس أشراراً يشمتون بضعفك وعجزك ، وإنما هناك الكثير منهم صالح وما عليك إلا أن تبحث عن محيط صالح من الناس المؤمنين وحتماً سوف يساعدونك على تجاوز مشكلتك .
والحمد لله نعيش في هذا الوقت صحوة إسلامية عظيمة أفرزت تجمعات إيمانية تساعد الإنسان على تفجير طاقاته وكفاءاته ، فعلى الإنسان أن يبحث عن تلك التجمعات ويبتعد عن التجمعات السيئة التي تزيد من عقدة الحقارة عنده ، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام مثل أخ يستفيده في الله ) 1















المصادر

1/ القرآن الكريم
2/ نهج البلاغة
3/ ميزان الحكمة المحمدي الري شهري
4/ المنطق الشيخ محمد رضا المظفر
5/ مدخل إلى علم المنطق الدكتور مهدي فضل الله
6/ المنطق الإسلامي السيد محمد تقي المدرسي
7/ الغديـر الشيخ عبدالحسين الأميني
8/ الحيـاة جريدة تصدر في لندن
9/ الصحيفة السجادية الإمام علي بن الحسين (ع)
10/ بحار الأنوار الشيخ محمد باقر المجلسي
11/ سفينة البحار الشيخ عباس القمي
12/ بصائر وهدى الشيخ حسن الصفار
13/ تحف العقول الحرانـي
14/ قادتنا كيف نعرفهم السيد محمد هادي الميلاني
15/ الذنوب الكبيرة السيد عبدالحسين دستغيب
16/ الممهدون للمهدي الشيخ علي الكوراني
17/ حليف مخزوم صدر الدين شرف الدين
18/ عابس ابن شبيب الشاكري علي محمد علي دخيل
19/ جامع السعادات الشيخ النراقي
20/ كلمة الله السيد حسن الشيرازي
21/ المحجة البيضاء الفيض الكاشاني
22/ مبادئ علم النفس الدكتور مختار حمزة
23/ الطفل بين الوراثة والتربية الشيخ محمد تقي فلسفي
24/ قبسات من حياة الرسول
25/ حقائق وأرقام لعامي 1989م – 1990م صراع شبيب دهيم
26/ أخلاق أهل البيت السيد مهدي الصدر
27/ مفاتيح الجنان الشيخ عباس القمي
28/ أنفقوا لكي تتقدموا السيد محمد الشيرازي
29/ الكافي الشيخ الكليني
30/ وسائل الشيعة الحر العاملي
31/ الحياة الحكيمي
32/ مكارم الأخلاق الشيخ الطبرسي


















الفهرس

المقدمة .............................................................. 7
الفصل الأول : النفس منطقة الخطر .................................. 11
الفصل الثاني : خطورة النفس في منطق الإسلام ....................... 29
(1) النفس أمارة بالسوء .............................................. 31
(2) الجهاد الأكبر : جهاد النفس ...................................... 37
(3) النفس وتأثيرها المصيري على الإنسان .............................. 43
(4) من أمراض النفس ................................................ 45
(5) إصلاح النفس أولاً ............................................... 49
(6) النفس أخطر الأعداء .............................................. 53
(7) محاسبة النفس ومراقبتها ............................................ 55
(8) نتائج الانحراف النفسي ............................................ 59
الفصل الثالث : خطر السقوط ......................................... 63
من أين يأتي الخطر ؟ .................................................... 69
ضمانات الاستقامة ...................................................... 75
الفصل الرابع : القلب حرم الله ......................................... 91
الفصل الخامس : الغرائز ودورها في الحياة ............................... 86
غريزة حب الذات ...................................................... 95
الفصل السادس : داء الأنانية ........................................... 101
الوقاية والعلاج ......................................................... 114
الفصل السابع : لكي لا نحتقر أنفسنا .................................... 124
عقدة الحقارة . . مظاهرها ونتائجها ...................................... 131
أسباب عقدة الحقارة .................................................... 137
علاج عقدة الحقارة ..................................................... 151
المصادر ................................................................. 154



3115582
جميع الحقوق محفوظة لموقع رسالة النجف الاشرف2010